لكل السوريين

من ميادين مواجهة داعش إلى مؤسسات الدولة.. وحدات حماية المرأة أمام مرحلة جديدة في سوريا

تدخل وحدات حماية المرأة (YPJ) مرحلة جديدة في مسارها، مع بدء عدد من عناصرها العمل ضمن تشكيل تابع لوزارة الداخلية السورية، في إطار الترتيبات المرتبطة بدمج قوات ومؤسسات قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ضمن مؤسسات الدولة.

وتشكل الخطوة تطوراً لافتاً بالنسبة إلى قوة نسائية تأسست خلال سنوات الحرب السورية، وتمكنت من بناء حضور ميداني واجتماعي واسع، قبل أن تجد نفسها أمام مهمة مختلفة تتمثل في الانتقال من ساحات القتال إلى العمل الأمني والمؤسساتي.

وبحسب معلومات متداولة، بدأت عناصر من وحدات حماية المرأة العمل ضمن قوة تابعة لوزارة الداخلية، فيما لا تزال التفاصيل المتعلقة بالهيكل التنظيمي الجديد وطبيعة المهام والرتب وآليات الانتشار بحاجة إلى توضيح رسمي.

تجربة نسائية صنعت حضورها في الحرب

تأسست وحدات حماية المرأة في عام 2013 كقوة عسكرية نسائية، ثم أصبحت جزءاً من قوات سوريا الديمقراطية بعد تأسيسها عام 2015.

وخلال أكثر من عقد، ارتبط اسم الوحدات بالعمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، وشاركت عناصرها في معارك ومواجهات بمناطق عدة في شمال وشرق سوريا، بينها الرقة ومنبج والشدادي وتل كوجر ومناطق من ريف دير الزور.

ولم يكن حضور النساء في هذه المعارك مجرد مشاركة رمزية، إذ تحولت وحدات حماية المرأة إلى أحد أبرز التشكيلات النسائية المسلحة في المنطقة، وراكمت عناصرها خبرة ميدانية في حماية المناطق والمنشآت والتعامل مع الظروف الأمنية المعقدة.

وقد أسهم هذا الدور في تغيير الصورة التقليدية لمشاركة المرأة في المجال العام، بعدما انتقلت آلاف النساء من أدوار اجتماعية محدودة إلى المشاركة في مؤسسات عسكرية وأمنية ومدنية، وتحمل مسؤوليات مباشرة في حماية مجتمعاتهن.

من السلاح إلى العمل المؤسساتي

يمثل انتقال عناصر من وحدات حماية المرأة إلى وزارة الداخلية تحولاً مهماً في طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه المرأة في المرحلة المقبلة.

وفي حال استكمال ترتيبات الدمج، يمكن للخبرات التي راكمتها العناصر النسائية خلال السنوات الماضية أن تشكل قاعدة مهمة للعمل في مجالات شرطية وأمنية متعددة، ولا سيما تلك التي تتطلب وجود عناصر نسائية.

ومن أبرز هذه المجالات التعامل مع النساء والأطفال، وتفتيش النساء في المعابر والمراكز الأمنية، والعمل في الشرطة المجتمعية، وحماية المنشآت، ومراكز الاحتجاز والتأهيل، إضافة إلى ملفات تتطلب حضوراً نسائياً متخصصاً.

غير أن الانتقال من العمل العسكري إلى العمل الشرطي يحتاج إلى برامج تأهيل واضحة، تشمل القوانين والإجراءات الأمنية، وآليات التحقيق، وحقوق الموقوفين، والعمل الشرطي المجتمعي، بما يضمن انتقال الخبرات السابقة إلى الإطار المؤسساتي الجديد بصورة منظمة.

المرأة في قلب عملية إعادة بناء المؤسسات

لا تكتسب هذه الخطوة أهميتها من الجانب الأمني فقط، بل تحمل أيضاً بعداً يتعلق بموقع المرأة في مؤسسات الدولة السورية.

فإدماج عناصر نسائية لديهن خبرة ميدانية في مؤسسات رسمية يمكن أن يفتح المجال أمام توسيع مشاركة النساء في الأجهزة الشرطية والأمنية، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى كوادر نسائية قادرة على التعامل مع قضايا النساء والأطفال والمجتمع المحلي.

كما يمكن أن يشكل وجود النساء داخل المؤسسات الأمنية عاملاً مهماً في تحسين الوصول إلى الفئات التي قد تتردد في التعامل مع الأجهزة الرسمية، ولا سيما النساء اللواتي يحتجن إلى تقديم شكاوى أو الحصول على حماية أو خدمات أمنية.

ومن هذه الزاوية، فإن تجربة وحدات حماية المرأة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تقدم نموذجاً عن قدرة النساء على اكتساب مهارات القيادة والانضباط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية في الظروف الصعبة.

خبرة «قسد» أمام اختبار الاندماج

وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع يتعلق بإعادة تنظيم القوات والمؤسسات التي كانت تعمل ضمن مناطق الإدارة الذاتية، بعد التفاهمات المتعلقة بدمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ويضع هذا المسار مختلف التشكيلات، ومن بينها وحدات حماية المرأة، أمام مرحلة انتقالية تتطلب تحديد الأدوار والمسميات والرتب وآليات العمل، بما يضمن الحفاظ على الخبرات المتراكمة وعدم إهدار الكفاءات التي تشكلت خلال سنوات الحرب.

وبالنسبة إلى النساء، تبرز أهمية أن تتم عملية الدمج بطريقة تضمن استمرار حضورهن داخل المؤسسات الجديدة، وعدم اختزال دورهن في الجانب العسكري الذي أدينه خلال سنوات الحرب، بل الاستفادة من خبراتهن في مجالات الأمن والشرطة والإدارة والخدمات المجتمعية.

مرحلة جديدة لوحدات حماية المرأة

بعد سنوات طويلة قضتها عناصر وحدات حماية المرأة في مواجهة تنظيم داعش وحماية مناطق وقرى ومدن في شمال وشرق سوريا، تبدو المرحلة المقبلة مختلفة جذرياً.

فالانتقال المحتمل إلى مؤسسات الدولة لا يعني بالضرورة نهاية التجربة التي راكمتها الوحدات، بل يمكن أن يمثل إعادة صياغة لدورها ضمن إطار مؤسساتي جديد، يسمح بتحويل الخبرة الميدانية إلى خبرة أمنية ومجتمعية تخدم السكان.

ويبقى شكل الوحدات داخل وزارة الداخلية مرتبطاً بالتفاصيل النهائية لعملية الدمج، وما إذا كانت العناصر ستعمل ضمن تشكيلات نسائية متخصصة أو ستتوزع على مختلف أجهزة الوزارة وفق الاختصاصات.

وفي جميع الأحوال، فإن دخول عناصر من وحدات حماية المرأة إلى مؤسسات الدولة يمثل مؤشراً على أن المرأة التي فرضت حضورها في أصعب مراحل الحرب السورية تسعى اليوم إلى تثبيت هذا الحضور في مرحلة بناء المؤسسات.

ومن ميادين مواجهة داعش إلى مواقع العمل الأمني والمؤسساتي، تقف وحدات حماية المرأة أمام اختبار جديد، لا يتعلق هذه المرة بالقدرة على خوض المعارك، وإنما بقدرة الدولة على استثمار خبرة النساء ومنحهن موقعاً فاعلاً في سوريا الجديدة.

- Advertisement -

- Advertisement -