لكل السوريين

فيزا تدخل السوق السورية.. هل يبدأ الاقتصاد رحلة الخروج من عصر «الكاش»؟

شكّلت عودة شبكات الدفع العالمية إلى سوريا، مع تنفيذ أولى معاملات البطاقات الدولية عبر «فيزا» و«ماستركارد»، خطوة تتجاوز قيمتها عملية شراء عابرة، إذ تمثل مؤشراً على بدء إعادة وصل القطاع المالي السوري بالنظام المصرفي العالمي بعد أكثر من 15 عاماً من الانقطاع. وجاءت الخطوة في وقت تتسارع فيه عملية إعادة بناء العلاقات المالية الخارجية، عقب رفع الولايات المتحدة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.

ورغم أن الخدمة لا تزال في مراحلها الأولى ولم تتحول بعد إلى منظومة متاحة على نطاق واسع، فإن دخول شبكات الدفع الدولية يمكن أن يغيّر تدريجياً طريقة تعامل السوريين مع المال، ويمنح الاقتصاد أدوات جديدة للتحول من الاعتماد الكبير على النقد إلى المدفوعات الإلكترونية.

ما الذي يمكن أن تكسبه سوريا؟

أبرز المكاسب المحتملة تتمثل في تسهيل حركة الأموال من وإلى سوريا. فإتاحة الدفع بالبطاقات الدولية أمام الزوار ورجال الأعمال يمكن أن تجعل التعامل داخل السوق السورية أكثر سهولة، وتخفف الحاجة إلى حمل كميات كبيرة من النقد أو اللجوء إلى قنوات غير رسمية لتحويل الأموال.

كما يمكن أن تستفيد قطاعات السياحة والمطاعم والفنادق والتجارة والخدمات من هذه الخطوة، خصوصاً مع عودة الزوار والمستثمرين. وتتيح المدفوعات الإلكترونية أيضاً تسجيل حركة مالية أكبر داخل النظام المصرفي، ما يساعد على تحسين الشفافية والحد من بعض التعاملات النقدية غير المسجلة.

ومن الناحية الاستثمارية، فإن وجود بنية دفع مرتبطة بشبكات عالمية يمثل إشارة إلى المستثمرين بأن السوق السورية بدأت تستعيد جزءاً من اتصالها بالنظام المالي الدولي. وقد أعلنت «فيزا» أن اختبارها الأول في سوريا جرى بالتعاون مع فرنسبنك وشركة بايميرا، في حين دخلت «ماستركارد» في عمليات مرتبطة بمجموعة بنك قطر الوطني.

هل تنتهي مشكلة «الكاش»؟

ليس سريعاً؛ فالاقتصاد السوري ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على النقد، بينما تحتاج المدفوعات الإلكترونية إلى بنية مصرفية واتصالات مستقرة، وأجهزة نقاط بيع منتشرة، وثقة أكبر بالمصارف والأنظمة الرقمية.

كما أن المواطن لن ينتقل تلقائياً من الدفع النقدي إلى البطاقة لمجرد توفر الخدمة. فالأمر يرتبط بانتشار أجهزة الدفع، والرسوم المفروضة على العمليات، وسهولة الحصول على البطاقات، وسرعة التحويل، والأهم القدرة الشرائية للمواطن.

وقد يحتاج الأمر إلى سنوات قبل أن تصبح البطاقة وسيلة دفع يومية بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين.

السلبيات والمخاطر

رغم فوائد الخطوة، فإن توسع الدفع الإلكتروني يفرض تحديات جديدة. أولها الأمن السيبراني والاحتيال الإلكتروني، إذ إن توسع استخدام البطاقات يعني زيادة الحاجة إلى حماية بيانات العملاء والحسابات من الاختراق وسرقة الأموال.

كما قد تواجه الشركات والمحال رسوماً مرتبطة بالعمليات الإلكترونية، وقد تنعكس هذه التكاليف بصورة غير مباشرة على أسعار السلع والخدمات.

ومن المخاطر الأخرى أن يؤدي الانتقال السريع إلى التكنولوجيا المالية، من دون بنية رقابية قوية، إلى ظهور أشكال جديدة من الاحتيال المالي، خصوصاً في ظل ضعف الثقافة المصرفية الرقمية لدى نسبة من السكان.

كذلك لا تعني عودة «فيزا» أن جميع المشكلات المالية السورية انتهت. فإعادة بناء العلاقات المصرفية المراسلة، وتحسين أنظمة الامتثال والحوكمة، وتطوير البنية التحتية المالية، ما تزال شروطاً أساسية أمام اندماج كامل ومستقر في النظام المالي العالمي.

كيف سيتعامل السوريون مع البطاقات؟

من المرجح أن يبدأ الاستخدام الفعلي من المعاملات الصغيرة والمتوسطة، مثل المطاعم والفنادق والمتاجر والخدمات، ثم يتوسع تدريجياً مع زيادة عدد نقاط البيع.

أما بالنسبة إلى السوريين المقيمين خارج البلاد، فقد تكون الفائدة أكبر، خصوصاً في حال توسعت قنوات التحويل والدفع وأصبح من الممكن استخدام البطاقات الدولية بصورة أكثر سهولة داخل سوريا.

وفي المقابل، سيبقى النقد حاضراً بقوة، خاصة لدى أصحاب الدخول المحدودة والأعمال الصغيرة والمناطق التي لا تتوفر فيها بنية دفع إلكتروني كافية.

خطوة مهمة.. لكنها ليست حلاً سحرياً

تدخل «فيزا» إلى السوق السورية يحمل أهمية اقتصادية ورمزية، لكنه لا يستطيع وحده معالجة أزمات الاقتصاد السوري، من التضخم وضعف الإنتاج والاستثمار إلى تراجع القدرة الشرائية ونقص السيولة الأجنبية.

القيمة الحقيقية للخطوة ستظهر عندما تتحول من تجربة محدودة إلى منظومة دفع متكاملة تشمل المصارف والشركات والمتاجر والمواطنين، وترافقها إصلاحات مصرفية ورقابية وتكنولوجية واسعة.

وبذلك قد تكون البطاقة الإلكترونية أكثر من وسيلة لدفع ثمن فنجان قهوة؛ فقد تصبح إحدى أدوات انتقال الاقتصاد السوري تدريجياً من اقتصاد يعتمد على النقد والقنوات غير الرسمية إلى اقتصاد أكثر ارتباطاً بالأنظمة المالية العالمية. لكن نجاح هذا الانتقال سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات السورية على بناء نظام مصرفي موثوق وآمن ومتاح للمواطن قبل المستثمر والزائر.

- Advertisement -

- Advertisement -