لم تعد المعركة على مستقبل سوريا تدور فقط حول إعادة بناء مؤسسات الدولة أو استعادة السيطرة على الجغرافيا، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيداً يتعلق بمن يمتلك القدرة على التأثير في شكل الدولة الجديدة، وطبيعة جيشها، وحدودها، وتحالفاتها الإقليمية.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز التنافس التركي–الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز خطوط الصراع الجديدة. فأنقرة تسعى إلى تثبيت حضورها السياسي والأمني والعسكري داخل سوريا، بينما تحاول إسرائيل فرض حدود لما تعتبره تمدداً تركياً قد يغيّر ميزان القوى في المنطقة.
وبين المشروعين تقف دمشق أمام مرحلة شديدة الحساسية، بعدما بدأت خطوات متسارعة لإعادة توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية، بالتوازي مع انفتاح دولي متزايد على الحكومة السورية الجديدة.
أبو الظهور.. عندما انتقل التنافس إلى الميدان
شكّل استهداف قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب أحد أبرز المؤشرات على حساسية الحضور التركي في سوريا.
ففي منتصف أغسطس، تعرضت القاعدة لضربات إسرائيلية، وسط تقارير عن تحركات واهتمام تركي بالموقع، في حين نفت أنقرة ودمشق وجود حشد عسكري تركي هناك.
ورغم تضارب الروايات حول طبيعة النشاط التركي في القاعدة، فإن الضربة حملت دلالة تتجاوز الموقع المستهدف نفسه. فالرسالة الأساسية التي برزت من التطور هي أن إسرائيل تريد الاحتفاظ بحرية الحركة داخل المجال السوري، وألا يتحول أي موقع عسكري إلى نقطة انطلاق لنفوذ إقليمي جديد يمكن أن يحد من قدرتها على التحرك.
وزاد من حساسية الحادث أن واشنطن نفسها عبّرت عن قلقها من الضربة، إذ وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم باراك الهجوم بأنه تصعيد غير ضروري، فيما تحدث لاحقاً عن احتمال أن تكون إسرائيل قد أرادت، من بين سيناريوهات أخرى، اختبار رد الفعل التركي.
وهكذا تحولت قاعدة سورية كانت لسنوات جزءاً من جغرافيا الحرب إلى مؤشر على صراع أكبر حول مستقبل النفوذ داخل البلاد.
تركيا تعيد تعريف نفوذها
بالنسبة إلى أنقرة، لا يبدو الوجود في سوريا مجرد انتشار عسكري مؤقت أو ورقة تفاوضية مرتبطة بملفات الحدود.
تركيا تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها امتداداً مباشراً لأمنها القومي. فاستقرار دولة مركزية على حدودها، وإنهاء وجود قوى مسلحة مستقلة في الشمال والشرق، وإقامة علاقة وثيقة مع دمشق، كلها أهداف تمنح أنقرة قدرة أكبر على معالجة الملفات التي أرقتها خلال السنوات الماضية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر مع التحول الذي طرأ على ملف قوات سوريا الديمقراطية.
ففي 25 أغسطس، أعلنت «قسد» حل نفسها بعد استكمال اندماجها في الجيش السوري، منهية بذلك وجودها كقوة عسكرية مستقلة استمر لنحو عقد. وبعد أيام، عيّن الرئيس السوري أحمد الشرع مظلوم عبدي مستشاراً للرئاسة، في خطوة تعكس انتقال العلاقة بين الطرفين من صيغة القوة العسكرية المستقلة إلى مسار مؤسسات الدولة.
وبالنسبة إلى تركيا، يمثل هذا التحول مكسباً استراتيجياً مهماً، لأنه يقلص واحدة من أبرز القضايا التي استخدمتها أنقرة لتبرير مخاوفها الأمنية في شمال سوريا.
لكن المفارقة أن هذا المكسب التركي قد يصبح في الوقت نفسه سبباً لمزيد من التوتر مع إسرائيل.
من «قسد» إلى الجيش السوري.. معادلة جديدة
على مدى سنوات، تعاملت إسرائيل مع مناطق شمال وشرق سوريا ضمن توازنات عسكرية متعددة، فيما حافظت على قدرة واسعة على تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية.
أما الآن، فإن اندماج القوى العسكرية الكردية في مؤسسات الدولة يفتح الباب أمام احتمال مختلف: جيش سوري أكثر مركزية، تدعمه علاقات أمنية وعسكرية مع تركيا، وتتعامل معه واشنطن بصورة أكثر انفتاحاً.
وهذا يعني أن الخريطة التي اعتادت إسرائيل التعامل معها خلال سنوات الحرب قد تتغير تدريجياً.
فبدلاً من سوريا مقسمة بين مناطق نفوذ وقوى محلية، قد تظهر دولة مركزية تحاول استعادة أدوات القوة التي فقدتها خلال الحرب، بينما تحظى بدعم إقليمي ودولي لإعادة بناء مؤسساتها.
ومن هنا تصبح مسألة النفوذ التركي أكثر حساسية بالنسبة إلى إسرائيل.
لماذا تقلق إسرائيل من تركيا؟
لا يرتبط القلق الإسرائيلي بالوجود التركي العسكري وحده، بل بطبيعة المشروع الذي يمكن أن ينتج عنه هذا الوجود.
فتركيا تمتلك علاقات سياسية متنامية مع دمشق، وتريد أن يكون لها دور في تدريب وبناء المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية، بينما تسعى الحكومة السورية إلى إعادة بناء جيش موحد قادر على بسط سلطة الدولة على الأراضي السورية.
وفي حال تطورت هذه العلاقة إلى شراكة أمنية وعسكرية طويلة الأمد، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام قوة سورية جديدة تمتلك دعماً تركياً، بدلاً من سوريا المنهكة التي اعتادت التعامل معها خلال سنوات الحرب.
وهنا تحديداً يظهر جوهر التنافس.
إسرائيل تريد ترتيبات أمنية تمنحها هامشاً واسعاً للتحرك، خصوصاً في الجنوب والمناطق القريبة من الجولان، بينما تريد تركيا سوريا موحدة وقادرة على إدارة حدودها ومؤسساتها الأمنية بعيداً عن تعدد القوى المسلحة.
واشنطن بين الحليفين
لا تبدو الولايات المتحدة مستعدة لتحويل الخلاف التركي–الإسرائيلي حول سوريا إلى مواجهة مفتوحة.
فواشنطن ترتبط بعلاقات استراتيجية مع إسرائيل وتركيا في الوقت نفسه، وتحتاج إلى الحفاظ على التوازن بينهما، خصوصاً في مرحلة تحاول فيها دعم استقرار سوريا الجديدة.
وتزامن ذلك مع خطوة أميركية شديدة الأهمية تمثلت في إزالة سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 24 أغسطس، بعد انتهاء فترة المراجعة التي أقرها الكونغرس، في قرار قالت واشنطن إنه يهدف إلى دعم الاستقرار والاستثمار في البلاد.
وتفتح هذه الخطوة المجال أمام تحسن أكبر في العلاقات الاقتصادية والمالية بين سوريا والمجتمع الدولي، وتمنح دمشق فرصة أوسع لإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها.
لكنها في الوقت نفسه تضيف عاملاً جديداً إلى حسابات القوى الإقليمية: سوريا لم تعد بالضرورة دولة معزولة يمكن لكل طرف التعامل معها كمنطقة نفوذ منفصلة، بل دولة تسعى إلى استعادة موقعها الطبيعي في النظام الإقليمي والدولي.
معركة النفوذ بعد سقوط الأسد
السؤال الأهم لم يعد من يسيطر على منطقة جغرافية محددة، وإنما من يملك القدرة على التأثير في الدولة السورية نفسها.
تركيا تراهن على علاقاتها مع دمشق وعلى تعاونها الأمني والعسكري والاقتصادي، بينما تراهن إسرائيل على قوتها العسكرية وقدرتها على فرض وقائع ميدانية ومنع أي ترتيبات تعتبرها تهديداً لأمنها.
وبين هذين المسارين، تحاول دمشق تثبيت معادلة مختلفة تقوم على استعادة السيادة وتوحيد المؤسسات.
وتكشف التطورات الأخيرة أن ملف «قسد» كان أحد مفاتيح هذه المعادلة. فحل القوة واندماجها في مؤسسات الدولة، ثم انتقال مظلوم عبدي إلى موقع استشاري لدى الرئاسة، يشيران إلى أن الملف الكردي يتحول من قضية عسكرية منفصلة إلى جزء من عملية إعادة تشكيل الدولة السورية.
وهذا التحول لا يعني انتهاء جميع الخلافات، لكنه يغير قواعد اللعبة التي حكمت شمال وشرق سوريا لسنوات.
اختبار أردوغان الحقيقي
قد تكون المرحلة المقبلة الاختبار الأصعب للطموح التركي في سوريا.
فأنقرة حققت مكاسب واضحة على مستوى علاقتها بدمشق، وتراجع خطر وجود قوة كردية مستقلة عسكرياً، فيما تتجه سوريا نحو مزيد من الانفتاح الدولي.
لكن تثبيت هذه المكاسب يحتاج إلى أكثر من علاقات سياسية.
فتركيا مطالبة بإثبات أن نفوذها داخل سوريا يمكن أن يتحول إلى شراكة طويلة الأمد مع الدولة، وليس إلى وجود عسكري دائم يثير مخاوف القوى الإقليمية.
وفي المقابل، ستكون إسرائيل أمام اختبار مختلف: هل تستطيع منع تمدد النفوذ التركي من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أنقرة أو تقويض عملية استقرار سوريا التي تحظى بدعم أميركي متزايد؟
سوريا بين النفوذ والسيادة
المشهد السوري الجديد لا يبدو مرشحاً لحسم سريع بين تركيا وإسرائيل.
الأرجح أن الصراع سيأخذ شكل منافسة طويلة على المؤسسات والجيش والحدود ومراكز القرار، إلى جانب الضغوط السياسية والتحركات العسكرية المحدودة.
لكن العامل الأكثر أهمية سيكون قدرة دمشق على تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات وطنية مستقلة.
فكلما نجحت الدولة السورية في بناء جيش موحد ومؤسسات فاعلة وعلاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية، تراجعت قدرة الأطراف الخارجية على التعامل مع سوريا كساحة مفتوحة لمشاريعها.
أما إذا بقيت المؤسسات السورية ضعيفة ومجزأة، فإن التنافس التركي–الإسرائيلي سيجد مساحة أوسع للتمدد.
لذلك، فإن معركة أبو الظهور وما تبعها ليست مجرد حادث أمني عابر، كما أن حل «قسد» ليس مجرد نهاية لتنظيم عسكري.
كلا الحدثين يعكسان انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة: مرحلة الصراع على شكل الدولة بعد الحرب.
وفي هذه المرحلة، سيكون السؤال الحاسم بالنسبة إلى أنقرة وتل أبيب ودمشق معاً هو: من يملك التأثير الأكبر في سوريا الجديدة، ومن يستطيع تحويل نفوذه إلى واقع سياسي وأمني طويل الأمد؟