من “الدولة الراعية للإرهاب” إلى بوابة الانفتاح.. ماذا يعني بدء واشنطن إجراءات رفع اسم سوريا من القائمة الأميركية؟
بعد أكثر من أربعة عقود على إدراج سوريا في قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، دخل الملف مرحلة جديدة مع إعلان واشنطن بدء الإجراءات الرسمية لإزالة اسم البلاد من القائمة، في خطوة تُعد من أبرز التحولات السياسية والاقتصادية المتعلقة بسوريا منذ سنوات، وتثير تساؤلات حول تداعياتها على العقوبات، والاستثمار، والعلاقات الدولية، ومستقبل الاقتصاد السوري.
وجاء الإعلان عقب لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تزامناً مع تصريحات لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أكد فيها أن إزالة سوريا من القائمة من شأنها فتح الباب أمام التجارة والاستثمار الدوليين، ومنح البلاد فرصة للمضي في إعادة الإعمار وبدء مرحلة جديدة.
تصنيف استمر منذ عام 1979
أُدرجت سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979، لتصبح واحدة من أقدم الدول المدرجة على هذه القائمة، وهو تصنيف ترتبت عليه قيود قانونية واسعة شملت حظر تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية، وتقييد المساعدات الخارجية، وفرض قيود على التعاملات المالية والاستثمارية، إلى جانب تشديد الرقابة على الصادرات ذات الاستخدام المزدوج.
ورغم أن سوريا خضعت لاحقاً لسلسلة من العقوبات الإضافية، أبرزها “قانون قيصر” والعقوبات المرتبطة بالنظام السابق، فإن تصنيف “الدولة الراعية للإرهاب” بقي يشكل أحد أهم العوائق أمام أي انفتاح اقتصادي أو مالي مع الولايات المتحدة والمؤسسات المرتبطة بها.
هل يعني القرار انتهاء العقوبات؟
ويرى مختصون أن بدء إجراءات إزالة سوريا من القائمة لا يعني تلقائياً رفع جميع العقوبات المفروضة عليها، إذ إن العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا تتوزع بين أوامر تنفيذية وقوانين أقرها الكونغرس، ولكل منها آليات قانونية مختلفة.
وبحسب خبراء قانونيين، فإن إزالة التصنيف ستسهم في تخفيف بعض القيود المرتبطة بالتجارة والاستثمار والتحويلات المالية، لكنها لا تلغي تلقائياً العقوبات الأخرى، التي قد تستمر ما لم تصدر قرارات أو تشريعات جديدة بشأنها.
انعكاسات اقتصادية محتملة
اقتصادياً، يفتح القرار الباب أمام احتمالات أوسع لعودة الشركات الأجنبية إلى دراسة فرص الاستثمار في سوريا، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والخدمات، كما قد يسهم في تسهيل عمل البنوك الدولية والمؤسسات المالية التي كانت تتجنب التعامل مع سوريا بسبب المخاطر القانونية المرتبطة بالتصنيف.
ويرى اقتصاديون أن الخطوة قد تساعد أيضاً في تحسين قدرة الحكومة السورية على جذب التمويل الخارجي، والحصول على قروض أو دعم من مؤسسات دولية، إذا ترافقت مع خطوات سياسية واقتصادية أخرى.
إلا أن هؤلاء يؤكدون أن تحقيق نتائج ملموسة سيظل مرتبطاً بمدى تخفيف العقوبات الأخرى، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتوفير الاستقرار الأمني والقانوني اللازم لجذب المستثمرين.
رسائل سياسية تتجاوز الاقتصاد
لا تقتصر أهمية القرار على الجانب الاقتصادي، بل يحمل أيضاً دلالات سياسية واضحة، إذ يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين واشنطن ودمشق، بعد سنوات طويلة من القطيعة والعقوبات.
ويرى مراقبون أن اللقاء الذي جمع ترمب والشرع على هامش قمة الناتو، إضافة إلى اللقاء الثلاثي القصير الذي ضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يعكس انفتاحاً دبلوماسياً متدرجاً قد يمهد لمزيد من الاتصالات السياسية خلال المرحلة المقبلة.
خطوة أولى لا نهاية المسار
ورغم الترحيب الذي لقيه الإعلان في الأوساط الاقتصادية، يؤكد مراقبون أن إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تمثل بداية مسار قانوني وسياسي، وليست نهاية له.
فالقرار يحتاج إلى استكمال الإجراءات القانونية الأميركية، كما أن نتائجه العملية ستبقى مرتبطة بمصير بقية العقوبات، ومدى قدرة الحكومة السورية على استثمار هذا التحول في تحسين البيئة الاقتصادية واستعادة ثقة المستثمرين والأسواق الدولية.
وبينما يراه البعض نقطة تحول في العلاقات السورية الأميركية، يعتبر آخرون أنه اختبار عملي لمدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من سياسة العزل إلى مرحلة الانخراط الاقتصادي والسياسي مع سوريا، في وقت ما تزال فيه تحديات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي من أكبر الملفات المطروحة على الساحة السورية.