لكل السوريين

عام على إسقاط النظام.. سوريات يبحثن عن موقعهن في سوريا

درعا/ رجاء مختار

مرت سنة كاملة على إسقاط النظام السوري في مناطق عدة، ومع مرور هذه الفترة الزمنية، بدأت النساء في سوريا يواجهن تساؤلات حقيقية حول موقعهن في المرحلة الجديدة. فبعد أن كانت الوعود الرسمية والمجتمعية كبيرة بتمكين المرأة وإشراكها في صناعة القرار، تبدو الواقعيات على الأرض مختلفة إلى حدّ كبير، حيث ما زالت المرأة تبحث عن مساحة تليق بتضحياتها الطويلة، وتواجه صعوبات في الوصول إلى حقوقها الأساسية.

في حيّ شعبي بمدينة درعا، تتحدث “هدى”، معلمة في الثلاثينات من عمرها، عن تجربتها خلال العام الماضي. تقول: “بعد التغيير، شعرت أن هناك أملًا حقيقيًا. كنا نسمع عن خطط لدعم المرأة وتمكينها في الوظائف والمجتمع المدني. لكن على الأرض، الأمور لم تتغير كثيرًا. لم تُفتح أمامنا أبواب جديدة كما كنا نتوقع.”

هدى تروي أنها حاولت المشاركة في لجنة محلية لإدارة بعض المشاريع الاجتماعية، لكنها واجهت صعوبات كبيرة بسبب رفض بعض القيادات الذكورية أو تجاهلها لمقترحات النساء: “أحيانًا تشعرين بأن وجودك شكلي فقط، وأن القرار الحقيقي ليس بيدك.”

قصص مشابهة تنتشر في مناطق سورية مختلفة، لا سيما في درعا والقنيطرة. في قرية قرب خان أرنبة، تقول “أم يوسف”، وهي أم لثلاثة أطفال، إنها اضطرت لتولي مسؤوليات كبيرة بعد أن غادر زوجها المدينة للعمل في الخارج: “أصبح عليّ أن أتصرف في كل شيء، من إدارة المنزل إلى متابعة أمور الدراسة للأطفال. شعرت أنني أصبحت القوة الحقيقية في البيت والمجتمع الصغير من حولي، لكن المجتمع لا يعترف بذلك. لا أحد يسأل عن رأيي في القرارات الكبرى”.

تعكس تجربة أم يوسف ما يواجهه كثير من النساء السوريات: أدوار حقيقية في الحياة اليومية، لكن غياب الاعتراف والمشاركة الرسمية يحدّ من تأثيرهن في مراكز القرار.

في إدلب ودمشق، كانت “نور” من بين النساء اللواتي شاركن في تأسيس منظمات مجتمع مدني تهدف إلى دعم الفتيات والشابات: “بعد إسقاط النظام، كان هناك شعور بالحرية، ورغبة في إعادة بناء المجتمع بطريقة أفضل. عملنا على مشاريع تعليمية وصحية، لكن التمويل والاعتراف الرسمي كانا دائمًا عقبتنا”.

نور تؤكد أن النساء أثبتن حضورهن بشكل واضح، رغم كل التحديات، لكنها ترى أن الطريق نحو مساواة حقيقية ما زال طويلاً: “نحن موجودات، نعمل ونضحّي، لكن لا زلنا ننتظر أن يرى المجتمع والدولة جهودنا ويمنحنا حقوقنا”.

وفي دمشق وريفها، تقول “سارة”، وهي موظفة في إحدى المؤسسات التعليمية: “هناك حديث دائم عن منح المرأة حقوقها، لكن كل ما نراه على الأرض هو شعارات في الورق فقط. حتى في العمل، تجدين الكثير من القيود غير الرسمية التي تحدّ من تحركك وقراراتك”.

وتشير سارة إلى أن النساء يواجهن أيضًا ضغوطًا اجتماعية تحاول الحفاظ على أدوار تقليدية، رغم التغيير السياسي: “الجمع بين المجتمع المحافظ والمرحلة الجديدة صعب جدًا. المرأة عالقة بين التغيير النظري والواقع العملي”.

رغم هذه الصعوبات، أثبتت النساء السوريات حضورهن في مجالات متعددة خلال العام الماضي، خاصة في درعا والقنيطرة ودمشق. فهناك من شاركن في المشاريع الاقتصادية، وأخريات في الحملات التعليمية والصحية، وأعداد متزايدة من النساء نشطت في المبادرات المجتمعية التي تسعى لدعم العائلات والأطفال، خاصة في المناطق التي تعاني من النزوح أو الدمار. لكن هذه الإنجازات ما زالت غالبًا “محلية” وبدون دعم رسمي قوي، وهو ما يحد من قدرتهن على التأثير السياسي والاجتماعي بشكل أوسع.

تشير تقارير محلية إلى أن المرأة ما زالت تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتمكين الرسمي، والتعيينات القيادية، والتمثيل في المؤسسات العامة، إضافة إلى اختلاف الوعي المجتمعي حول دورها. بعض الناشطات يؤكدن أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إصلاحات حقيقية تشمل القوانين والسياسات التي تكفل حقوق المرأة، إلى جانب حملات توعية لتغيير الصورة التقليدية عنها في المجتمع.

تجارب النساء، سواء في المدن الكبرى مثل دمشق أو في محافظات الجنوب كدرعا والقنيطرة، تؤكد أنهن لم يتوقفن عن المحاولة رغم الإحباط أحيانًا. فالأمل ما زال موجودًا، والحاجة إلى مساحة حقيقية لمشاركتها في القرار المجتمعي والسياسي أكبر من أي وقت مضى. تقول هدى من درعا: “نحن نعرف قيمتنا، ونعرف حجم تضحياتنا. لن نتراجع، لكننا بحاجة إلى الاعتراف الرسمي والمجتمعي. فقط حينها ستشعر المرأة السورية بأنها فعلاً جزء من سوريا الجديدة.”

ويشير محللون محليون إلى أن مسألة تمكين المرأة ليست مجرد شعار، بل هي عامل أساسي لبناء مجتمع مستقر وشامل، وأن استمرار تجاهل دورها يهدد المراحل القادمة من إعادة الإعمار وإرساء النظام المدني الجديد. فالمرأة، وفق هؤلاء المحللين، ليست مجرد طرف مشارك، بل ركيزة أساسية في المجتمع، ومن دون إشراكها بشكل حقيقي، تبقى الرؤية الجديدة ناقصة.

ومع مرور عام على إسقاط النظام في المناطق التي شهدت تغييرات، يظل السؤال مطروحًا: هل ستمنح المرحلة المقبلة المرأة موقعها المستحق في المجتمع السوري الجديد؟

تؤكد التجارب الإنسانية والقصص اليومية في درعا والقنيطرة ودمشق أن النساء أثبتن وجودهن وقدرتهن على العمل والمبادرة، لكن الطريق نحو الاعتراف الرسمي والمشاركة الفعلية في القرار السياسي والاجتماعي ما زال طويلاً. وبينما يواصلن النضال في ميادين الحياة اليومية، يبقى التحدي الأكبر هو أن تصبح سوريا الجديدة مساحة حقيقية لكل امرأة، تعكس حجم تضحياتها ومساهمتها في بناء مجتمع أفضل.

- Advertisement -

- Advertisement -