حماة/ جمانة الخالد
بعد سنوات من الدمار والصراعات التي اجتاحت مدينة حماة في وسط سوريا، بدأت المدينة تأخذ نفساً جديداً، إذ يمكن للزائر اليوم أن يلمس تحسناً ملموساً في بنيتها التحتية، وفي نمط حياة سكانها، مع عودة الأنوار إلى شوارعها، وانتظام أعمال النظافة، وتكثيف جهود إزالة الركام. المدينة، التي كانت شاهدة على معارك دموية وتشريد واسع، تشهد اليوم مشهداً مختلفاً، يمزج بين التحديات اليومية والأمل المتجدد.
في حي القصور القديم، يظهر بوضوح كيف بدأت الحياة تعود إلى شوارع المدينة. الشاب ياسر، الذي عاد إلى كشكه الصغير لبيع الشاي والخبز بعد أشهر من الإغلاق، يتحدث عن شعوره بالراحة مع عودة الإنارة إلى الشارع. يقول ياسر: «رغم الدمار الذي كان يحيط بالمكان، رؤية الأنوار تعود يشعرني وكأن المدينة بدأت تتنفس من جديد». الشوارع المعبدة حديثاً وامتداد أعمدة الإنارة على طول الطريق، أعطت المنطقة مظهراً أكثر أماناً وحيوية، وهو ما ساهم في عودة بعض المتاجر الصغيرة للعمل واستقبال السكان.
وفي حي “البدّاح / عين اللباد”، الذي عانى من القصف المباشر، تجري أعمال تنظيف مستمرة في الأزقة والشوارع الفرعية. مجموعة من شباب الحي قررت التطوع لإزالة الحجارة والركام المتناثر، مستخدمين جرافة صغيرة تبرع بها أحد السكان. ليلى، أم لطفلين، تقول: «كل مرة نكنس الشوارع ونزيل الحجارة، الأطفال يقدرون يلعبوا بأمان، والحي يبدو أكثر حياة». هذه الحملة، التي يقودها السكان المحليون بمساعدة فرق متطوعة، ساهمت في إعادة ترتيب المدينة، وإضفاء شعور بالنظام والهدوء على أحياء كانت مهملة لسنوات.
تستمر جهود إزالة الركام على نطاق أوسع، حيث يقوم فرق محلية بتحطيم الأنقاض وتحويلها إلى مواد بناء قابلة لإعادة الاستخدام. مروان، شاب يعمل في فريق إزالة الركام، يوضح: «نستخدم الخرسانة والحجارة القديمة لإنتاج طوب جديد يمكن استخدامه في بناء المنازل البسيطة. هذا الحل ساعد كثيراً في ظل ندرة المواد وتكاليف الشراء المرتفعة». هذه المبادرة لا تقتصر على إعادة البناء المادي، بل تمثل أيضاً رمزاً لروح المجتمع وقدرته على التكيف مع الظروف الصعبة.
على الرغم من هذه الجهود، لا تزال التحديات قائمة. بعض الأحياء الريفية المحيطة بالمدينة لم تتمكن بعد من إعادة بناء منازلها، ويعيش سكانها في ظروف مؤقتة وسط بقايا الركام. خدمات المياه والكهرباء غير منتظمة في بعض المناطق، مما يفرض على السكان الاعتماد على مصادر بديلة أو الانتظار لأشهر قبل استعادة البنية الأساسية. رغم ذلك، يبقى الشعور بالعزيمة قويّاً بين السكان، الذين يواصلون العمل حتى في أصعب الظروف لإعادة المدينة إلى ما كانت عليه.
تتميز عملية التعافي في حماة بالشعور بالمسؤولية الجماعية. جيران يساعدون بعضهم البعض في تنظيف الشوارع، والشباب يفتحون ورشاً مؤقتة لإعادة تدوير الركام، والنساء يتعاونن في صيانة البيوت وإعادة ترتيب الأحياء. كل ذلك يعكس رغبة قوية لدى السكان في بناء مدينة آمنة وصالحة للعيش مرة أخرى. أكرم، أحد المتطوعين في تنظيف الأزقة، يقول: «نحن لا نحاول فقط إعادة بناء المنازل، بل نعيد للمدينة كرامتها ودفئها».
إعادة الحياة إلى حماة لا تقتصر على البنية التحتية فقط، بل تشمل أيضاً استعادة الروح المجتمعية والتفاعل بين السكان. المدارس بدأت تفتح أبوابها تدريجياً، والأنشطة الاقتصادية الصغيرة تعود تدريجياً، ما يوفر فرص عمل ويساعد في تحريك عجلة الحياة اليومية. الأسواق المحلية، بعد أن كانت شبه مهجورة، بدأت تشهد حركة تجارية ملحوظة، ما يعكس الثقة المتجددة بين السكان وإمكانية استقرارهم في المدينة.
بدأت حماة فعلياً رحلة التعافي، التي لن تكون سهلة أو سريعة، لكنها مستمرة بخطوات ثابتة. رؤية الأنوار تعود إلى الشوارع، ونظافة الأحياء، وبدء إعادة استخدام الركام في بناء المنازل، كلها مؤشرات واضحة على أن المدينة تحاول التخلص من آثار الحرب والدمار، وتعيد بناء نفسها ليس فقط بالطوب والأسمنت، بل بالإرادة والتعاون والأمل المشترك بين سكانها. حماة، المدينة العريقة، تحاول أن تستعيد قلبها النابض، ومع كل حجر يُزال وكل شارع يُنظف، يقترب الحلم في العودة إلى حياة طبيعية أكثر من أي وقت مضى.