لكل السوريين

الشراكة السورية – الفرنسية.. هل تمهد لاستثمارات حقيقية أم تسبقها الحسابات السياسية؟

شكّل الإعلان عن إطلاق شراكة اقتصادية بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارة الأخير إلى دمشق، محطة لافتة في مسار العلاقات بين البلدين، ليس فقط لأنها أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ سنوات، بل لأنها اقترنت بإعلانات عن اتفاقيات استثمارية، ولجان اقتصادية مشتركة، ومشاركة شركات فرنسية في مشاريع إعادة الإعمار. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه داخل الأوساط الاقتصادية السورية هو: هل تمثل هذه الخطوات بداية تحول اقتصادي حقيقي، أم أنها لا تزال تحمل طابعًا سياسيًا ورمزيًا أكثر من كونها استثمارات قابلة للتنفيذ؟

ما الذي أُعلن؟

خلال المنتدى الاقتصادي السوري – الفرنسي في دمشق، أعلن الجانبان إطلاق لجان اقتصادية مشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم في مجالات النقل والموانئ والطيران والطاقة والمياه والبنية التحتية والتحول الرقمي والصناعة، إلى جانب إعلان فرنسا استعدادها لدعم إعادة تأهيل القطاع المصرفي السوري وتعزيز التواصل مع المؤسسات المالية الدولية. كما دعا الرئيس أحمد الشرع الشركات الفرنسية إلى الاستثمار المبكر في مشاريع إعادة الإعمار، معتبرًا أن موقع سوريا الجغرافي يمنحها فرصة للتحول إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة.

ومن أبرز الاتفاقيات التي أُعلن عنها توقيع شراكة مع مجموعة CMA CGM الفرنسية لإدارة عمليات الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي وتشغيل موانئ جافة، في خطوة تُعد من أوائل الاستثمارات الفرنسية المعلنة في سوريا خلال المرحلة الجديدة.

كيف ينظر السوريون إلى هذه الشراكة؟

في الشارع السوري، تتباين التوقعات بشأن نتائج هذه الشراكة.

يرى قطاع من رجال الأعمال والاقتصاديين أن أي انفتاح أوروبي يمثل فرصة لإعادة تنشيط الاقتصاد، خاصة إذا ترافق مع تدفق استثمارات حقيقية تعيد تشغيل المصانع، وتوفر فرص عمل، وتحسن البنية التحتية التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب.

في المقابل، يتعامل آخرون بحذر مع هذه الإعلانات، معتبرين أن التجارب السابقة أظهرت أن توقيع الاتفاقيات لا يعني بالضرورة تنفيذها، خصوصًا في ظل استمرار تحديات التمويل، والحاجة إلى إصلاحات قانونية وإدارية، إضافة إلى المخاطر الأمنية التي ما تزال تؤثر في قرارات المستثمرين. وقد جاءت التفجيرات التي شهدتها دمشق بالتزامن مع زيارة ماكرون لتذكّر بأن البيئة الاستثمارية لا تزال مرتبطة بدرجة الاستقرار الأمني.

هل الاستثمار ممكن قبل اكتمال إعادة الإعمار؟

يرى خبراء اقتصاد أن الشركات الدولية تنظر عادة إلى ثلاثة عوامل رئيسية قبل دخول أي سوق: الاستقرار الأمني، وضوح القوانين، وسهولة تحويل الأموال وتمويل المشاريع.

ورغم التحسن النسبي في العلاقات بين سوريا وعدد من الدول الأوروبية، فإن تحويل الوعود إلى مشاريع على الأرض سيحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة، وتطوير القطاع المصرفي، وضمانات قانونية للمستثمرين، وهو ما أشار إليه الرئيس الفرنسي عندما تحدث عن استعداد بلاده للمساهمة في إعادة هيكلة القطاع المالي السوري.

الاقتصاد أم السياسة؟

يصعب الفصل بين الاقتصاد والسياسة في هذه المرحلة.

فالزيارة حملت رسائل سياسية واضحة، تمثلت في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وباريس، والإعلان عن تبادل السفراء بعد سنوات من القطيعة، بالتوازي مع حضور وفد اقتصادي فرنسي كبير وتوقيع اتفاقيات استثمارية. ويرى مراقبون أن باريس تسعى إلى ترسيخ حضورها الاقتصادي في مرحلة مبكرة من إعادة الإعمار، في وقت تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على فرص الاستثمار في السوق السورية.

في المقابل، ترى الحكومة السورية أن جذب الشركات الأوروبية يهدف إلى تنويع الشراكات الاقتصادية وعدم حصرها بطرف واحد، مع التركيز على قطاعات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية باعتبارها قادرة على استقطاب استثمارات سريعة نسبيًا.

بين التفاؤل والواقعية

يجمع اقتصاديون على أن الإعلان عن الشراكات يمثل مؤشرًا إيجابيًا على عودة الاهتمام الأوروبي بالسوق السورية، لكنه لا يكفي وحده لإحداث تحول اقتصادي ملموس.

فالنتائج ستقاس خلال الأشهر والسنوات المقبلة بمدى انتقال الاتفاقيات من مرحلة التوقيع إلى التنفيذ، وحجم رؤوس الأموال التي ستدخل فعليًا، وعدد المشاريع التي ستباشر العمل، ومدى انعكاسها على فرص العمل والإنتاج وتحسين الخدمات.

وبين من يرى في الشراكة السورية – الفرنسية بداية لعودة الاستثمارات الأوروبية، ومن يعتبرها خطوة سياسية تمهد لمرحلة اقتصادية لاحقة، يبقى الحكم النهائي مرتبطًا بما ستنتجه هذه الاتفاقيات على أرض الواقع، لا بما حملته من عناوين خلال الزيارة الرسمية.

- Advertisement -

- Advertisement -