القنيطرة/ رجاء مختار
في أحد أحياء القنيطرة، كانت الطفلة ليان تمسك بيد أخيها الصغير وهي تنظر من نافذة البيت الطيني نحو الشارع الهادئ. منذ عامين فقدت والديها في حادث أثناء عودتهما من دمشق، ومنذ ذلك اليوم تغيّر كل شيء في حياتها. لم تعد تعرف معنى الطفولة كما كانت، ولا معنى الأمان الذي كان يملأ البيت. كانت الجارة العجوز تعتني بها وبأخيها، لكنها تقول إنّ “الحنان لا يُورث كما يُورث الاسم”.
ليان لم تكن وحدها. عشرات الأطفال في القنيطرة يعيشون قصصاً متشابهة، تُكتب بلغة الفقد والصبر. بعضهم فقد والديه في الحرب، وآخرون بسبب الفقر أو المرض أو الهجرة. خلف هذه الوجوه الصغيرة تختبئ حكايات طويلة عن صمت المساء حين يغيب الأب، وعن موائد نصف ممتلئة بالخبز فقط.
في هذا المشهد المرهق، وُلدت اليوم جمعية الأيتام الإنسانية، كمبادرة محلية تهدف إلى جمع شتات هؤلاء الصغار ومنحهم مساحة للعيش بكرامته. لم يكن الافتتاح حدثاً رسمياً صاخباً، بل أقرب إلى وعداً هادئاً، قُطع بين الناس وبعضهم: أن يبقى الأيتام في قلب المجتمع، لا على هامشه.
في ركن صغير من الجمعية الجديدة، جلست أم خالد، امرأة في الأربعين فقدت زوجها منذ خمس سنوات، وإلى جانبها ثلاثة أطفال يلهون بألوان وأوراق رسم. قالت وهي تمسح رأس ابنها الأصغر: “كنا نظن أن الأبواب كلها أُغلقت. اليوم أشعر أنّ هناك من يسمعنا”. أم خالد تعمل في تنظيف البيوت، ولا يكفي دخلها لتأمين حاجات أطفالها. لكنها تقول إنّها وجدت هنا ما هو أثمن من المساعدة المادية: “مكان يشعرنا أننا لسنا وحدنا”.
وفي الطرف الآخر من القاعة، كان حسام، فتى في الثالثة عشرة من عمره، يحاول تركيب لعبة هندسية على طاولة صغيرة. فقد والده في الحرب، وترك المدرسة قبل عام لمساعدة عائلته في بيع الخضار. ابتسم وهو يقول لأحد المتطوعين: “أريد أن أعود للمدرسة، لكن لا أعرف إن كنا نستطيع”. الفكرة التي تعمل عليها الجمعية هي أن تعيد أطفالاً مثل حسام إلى مقاعدهم الدراسية، ولو ببطء، وأن تمنحهم أدوات بسيطة لبناء مستقبل مختلف.
لكن الطريق ليس سهلاً. في القنيطرة، يُقدّر عدد الأيتام بآلاف، وفق تقديرات محلية غير رسمية، وكثير منهم يعيشون في أسر فقدت المعيل أو تعتمد على مساعدات موسمية. المدارس لا تملك دائماً برامج دعم نفسي، والمنظمات الخيرية تعمل بإمكانات محدودة، بينما تزداد تكاليف المعيشة يوماً بعد يوم.
تقول ميساء، وهي متطوعة شابة في الجمعية، إنّ عملهم لا يتوقف عند توزيع المساعدات: “الأطفال يحتاجون إلى سماع كلمة طيبة أكثر من أي شيء آخر. بعضهم لم يسمع كلمة “أحسنت” منذ سنوات”. تشير إلى طفل في السابعة يرسم بيتاً كبيراً فيه شجرة خضراء: “قال لي هذا بيتي الجديد. تخيّلي كم يفتقد الشعور بالاستقرار”.
أما علي، شاب في الخامسة والعشرين، والذي فقد والديه في زلزال قبل عامين، وعاش بعدها في كنف خاله الذي بالكاد يؤمّن قوت يومه. وجد في الجمعية فرصة لتعلّم مهنة الحلاقة ضمن ورشة صغيرة أُطلقت حديثاً لدعم الشباب اليتامى. يقول وهو يبتسم بخجل: “مشروع صغير أفضل من الانتظار الطويل”.
ورغم بساطة المكان وحداثة التجربة، إلا أنّ روح العمل الإنساني واضحة في كل زاوية: رفوف مليئة بالكتب القديمة، قاعة صغيرة مخصّصة للدروس، وغرفة للعلاج النفسي تطوّع لإدارتها طبيب شاب من أبناء المحافظة. “نحن نحاول أن نزرع فكرة الاستمرارية، يقول مدير الجمعية. “ليس المهم أن نُقيم احتفالاً كبيراً، بل أن نستمرّ في دعمهم يوماً بعد يوم”.
القصص تتشابه، لكن الألم لا يتكرّر بنفس الطريقة. في قرية جباتا الخشب، مثلاً، يعيش محمود ذو التسع سنوات مع جدّته بعد وفاة والديه. لم يزر المدينة من قبل، ولا يعرف ما تعنيه “الجمعية”، لكنه قال حين سمع عنها: “هل هناك مكان فيه دفاتر جديدة؟”.
مثل هذه الأسئلة الصغيرة هي ما يمنح معنى لكل جهد يُبذل هنا. فبين جدران القنيطرة المتعبة، تتشكل ببطء بيئة جديدة يمكن أن تحمي الأطفال من الانكسار، وأن تعيدهم إلى الحياة خطوة بخطوة.
يقول أحد المتطوعين: “الأيتام ليسوا ضحايا فقط، هم أيضاً أصحاب طاقة. إن منحناهم الفرصة، سيغيّرون مجتمعهم”. وهذه هي الفكرة التي تحاول الجمعية الجديدة ترسيخها: الانتقال من مرحلة المساعدة إلى مرحلة التمكين.