لكل السوريين

اللشمانيا تتمدد ووعود المكافحة تتكرر.. هل تأخرت الاستجابة الحكومية؟

في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الصحة رفع وتيرة الاستجابة لمكافحة مرض اللشمانيا بعد تسجيل ارتفاع حاد في الإصابات، تبرز تساؤلات حول أسباب وصول الوضع إلى هذه المرحلة، وما إذا كانت الإجراءات الحكومية جاءت بعد تفاقم الأزمة، بدلاً من منعها قبل اتساع رقعة انتشارها.

فالوزارة أقرت بأن عدد الإصابات ارتفع بنسبة وصلت إلى 500% في بعض المناطق، لا سيما في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، كما امتد ارتفاع الإصابات إلى مناطق كانت تُعد بؤراً مستوطنة للمرض، مثل حلب وريفها، إضافة إلى الرقة ودير الزور.

ورغم أن المسؤولين في وزارة الصحة أرجعوا أسباب الانتشار إلى عوامل بيئية تتمثل في تراكم النفايات والأنقاض، ووجود المستنقعات والشقوق في الأبنية المدمرة، فإن هذه المبررات تفتح الباب أمام انتقادات واسعة لأداء المؤسسات الحكومية، باعتبار أن معظم هذه الأسباب ليست طارئة، بل معروفة منذ سنوات.

أزمة متوقعة… لكن دون حلول استباقية

يرى مختصون في الصحة العامة أن الظروف البيئية التي تساعد على تكاثر ذبابة الرمل الناقلة لمرض اللشمانيا لم تظهر فجأة، بل كانت قائمة منذ انتهاء العمليات العسكرية وعودة آلاف العائلات إلى مناطق تفتقر إلى أبسط مقومات الخدمات الأساسية.

فالمستنقعات، وتراكم الأنقاض، وسوء إدارة النفايات، وغياب حملات الرش الدورية، جميعها عوامل كانت كافية للتنبؤ بارتفاع الإصابات، الأمر الذي يثير تساؤلات حول سبب غياب خطط وقائية فعالة قبل وصول المرض إلى هذا المستوى.

الاعتراف بالأسباب… لا يعفي من المسؤولية

المفارقة أن وزارة الصحة نفسها أقرت بأن البيئة الملوثة هي السبب الرئيسي للانتشار، وهو ما يعني أن الأزمة لا ترتبط بالقطاع الصحي وحده، وإنما تكشف خللاً في التنسيق بين المؤسسات الخدمية والبلديات والإدارات المحلية، التي تقع على عاتقها مسؤولية إزالة الأنقاض، وردم المستنقعات، وتحسين الواقع البيئي.

ويؤكد مراقبون أن الاكتفاء بإطلاق حملات رش بعد تسجيل آلاف الإصابات لا يمثل معالجة جذرية للمشكلة، بل يندرج ضمن سياسة الاستجابة المتأخرة، في حين أن مكافحة اللشمانيا تعتمد أساساً على الوقاية البيئية قبل العلاج.

حملات بعد تضاعف الإصابات

وزارة الصحة أعلنت عن تشكيل خلية عمل وطنية تضم وزارات ومؤسسات حكومية والدفاع المدني والهلال الأحمر ومنظمات محلية، إضافة إلى حملات للرش وتأمين العلاج المجاني والتوعية.

لكن هذه الإجراءات جاءت بعد إعلان تضاعف الإصابات بنسبة بلغت 500% في بعض المناطق، وهو ما يدفع كثيرين للتساؤل: لماذا لم تُفعّل هذه الخطط قبل موسم الصيف، المعروف بأنه الفترة الأكثر نشاطاً لانتشار ذبابة الرمل؟

ويرى متابعون أن الإعلان عن خطط طوارئ بعد اتساع الأزمة لا يعالج أصل المشكلة، خاصة في ظل استمرار الظروف البيئية ذاتها التي ساهمت في تفشي المرض.

المواطن يدفع ثمن غياب الخدمات

في القرى والبلدات المتضررة، لا يواجه السكان اللشمانيا وحدها، بل يواجهون أيضاً نقص الخدمات الأساسية، وضعف عمليات جمع النفايات، وغياب شبكات الصرف الصحي الفعالة، وانتشار الأنقاض والمياه الراكدة، وهي عوامل تجعل البيئة مناسبة لاستمرار انتقال المرض.

كما أن كثيراً من الأهالي يشيرون إلى أن حملات الرش، عندما تنفذ، تكون محدودة أو موسمية، ولا تغطي جميع المناطق الموبوءة، فيما يضطر بعض المرضى إلى مراجعة مراكز صحية بعيدة للحصول على العلاج.

الوقاية ليست موسمية

يحذر مختصون من أن اللشمانيا ليست أزمة موسمية يمكن احتواؤها بحملات مؤقتة، وإنما مرض يرتبط ارتباطاً مباشراً بالواقع البيئي والخدمي، ما يتطلب خططاً مستدامة تشمل تحسين البنية التحتية، وإزالة مصادر التلوث، وتعزيز الرقابة الصحية على مدار العام.

ويؤكدون أن نجاح أي حملة وطنية لن يقاس بعدد بياناتها أو الاجتماعات التي تعقدها، وإنما بقدرتها على خفض الإصابات فعلياً، ومنع تكرار المشهد ذاته في كل صيف.

بين التصريحات والواقع

إعلان وزارة الصحة عن رفع وتيرة المكافحة يعكس اعترافاً بحجم المشكلة، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تأخر الاستجابة الرسمية، إذ إن المؤشرات البيئية التي قادت إلى انتشار المرض كانت واضحة منذ سنوات، بينما بقيت الحلول الوقائية محدودة.

واليوم، ومع استمرار تسجيل إصابات جديدة، تبدو الحاجة ملحة لانتقال المؤسسات الحكومية من إدارة الأزمات بعد وقوعها، إلى تبني سياسات استباقية تعالج أسبابها، لأن مكافحة اللشمانيا لا تبدأ داخل المراكز الصحية، بل من الشارع، والحي، والقرية، والبيئة التي يعيش فيها المواطن.

- Advertisement -

- Advertisement -