تقرير/ جمانة الخالد
جلست مع ريم الكردي، أم لطفلين، في أحد أحياء مدينة حماة القديمة، لتروي تجربتها الصادمة مع الطلاق الذي ألمّ بها قبل عام. تقول ريم بصوت متقطع: “لم أتوقع أن ينتهي زواجي بعد عشر سنوات من الشراكة، بسبب شيء كنت أعتقد أنه بسيط: الرسائل والتواصل عبر التطبيقات. لم يكن هناك خيانة جسدية، لكن الغياب النفسي كان واضحاً… زوجي أصبح يتفاعل أكثر مع العالم الافتراضي من منزله، ومعي”.
ريم واحدة من عشرات الحالات التي شهدت تفككاً أسرية نتيجة الانشغال المطول بوسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أصبح يعرف اليوم بـ”الطلاق الرقمي”، في المقابل، تروي ندى عابد، موظفة في إحدى المدارس الخاصة، كيف اكتشفت خيانة زوجها العاطفية عبر تطبيق دردشة، لتبدأ سلسلة من المشاكل القانونية والاجتماعية التي انتهت بطلاقها بعد شهرين من المواجهات العائلية.
يؤكد المحامي المختص بشؤون الأحوال الشخصية، فواز الخليل، أن “وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت سبباً مباشراً في العديد من دعاوى الطلاق في حماة، وهي حالات تزايدت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. البعض يرى أن ما يحدث يُعتبر خيانة عاطفية أو حتى خيانة كاملة عندما يقضي الزوج أو الزوجة ساعات طويلة مع أشخاص آخرين على المنصات الرقمية”.
ويضيف الخليل: “الأسباب متنوعة؛ البعض يقع في فخ مقارنة حياته الزوجية بحياة الآخرين التي تُعرض على وسائل التواصل، والبعض الآخر يدخل في علاقات مشبوهة عبر الإنترنت. القوانين السورية لا تتضمن نصاً صريحاً عن الطلاق الرقمي، لكن المحاكم الشرعية تنظر للوقائع وتصدر الأحكام بناءً على الظروف والضرر النفسي الذي تسببه هذه الوسائل”.
في حي الصالحين بحماة، يجلس سامر الحسين، شاب في الخامسة والثلاثين، وقد فقد زوجته بسبب رسائل تبادلاها على واتساب. يقول سامر: “كنت أعتقد أن مجرد الحديث مع أصدقاء قديمين لن يسبب مشاكل، لكن زوجتي شعرت بالإهمال وانسحبت تدريجياً. ثم ظهرت رسائل على هاتفها جعلتها تشك بي… انتهى بنا المطاف عند المحكمة”.
الباحثة الاجتماعية مها العبد الله ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية للأسرة. تقول: “الانشغال الدائم بالهاتف أو التطبيقات يؤدي إلى تقليل الوقت المخصص للتفاعل العائلي، ويزيد من مشاعر الغيرة والشك. الأطفال أول من يدفع ثمن هذا الانفصال، فهم يشعرون بالاغتراب النفسي بسبب انشغال الوالدين”.
وتضيف أن “المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل في طريقة الاستخدام. الأسرة بحاجة إلى وعي كامل بكيفية التعامل مع هذه الوسائل، وتفعيل الحوار المفتوح بين الزوجين، ووضع قواعد واضحة للاستخدام داخل المنزل”.
تتفاوت قصص الطلاق الرقمي، فقد قابلت “الحرية” دينا منصور، معلمة، التي بدأت علاقات افتراضية مع أصدقاء عبر الإنترنت، ليكتشف زوجها الأمر، ويقرر الطلاق رغم محاولات التفاهم. تقول: “لم أكن أدرك أن الرسائل البريئة يمكن أن تُفسّر بطريقة خاطئة. لم يكن هناك نية خيانة، لكن الشعور بالإهمال النفسي كان كافياً لإنهاء حياتنا الزوجية”.
الأستاذ فواز الخليل يشير إلى أهمية تطوير النصوص القانونية لتواكب التطورات التكنولوجية، “نحتاج إلى نصوص واضحة تتناول الطلاق الرقمي أو الخيانة عبر الإنترنت، إلى جانب برامج توعية قانونية واجتماعية لتقليل الخسائر الأسرية”.
من ناحية المجتمع، توضح الباحثة مها العبد الله أن ”ارتفاع نسب الطلاق له تبعات كبيرة زيادة حالات العنف الأسري، اضطرابات نفسية لدى الأطفال، وتأثيرات اجتماعية طويلة الأمد على القيم والعلاقات. إذا استمرت هذه الظاهرة دون تدخل، فسنشهد أجيالاً تواجه صعوبة في الثقة والالتزام الأسري”.
وتضيف: “الحل لا يقتصر على القانون فقط، بل يشمل البرامج التوعوية، وورش العمل الزوجية قبل وبعد الزواج، والتعليم الرقمي الصحيح للأطفال والشباب، لتكوين وعي شامل بكيفية التعامل مع وسائل التواصل”.
في نهاية حديثنا، تقول ريم: “لو كان هناك وعي أكبر من الزوجين، ولو كانت هناك قواعد واضحة للاستخدام، لربما لم ينتهي زواجي بهذه الطريقة. التكنولوجيا ليست عدواً، لكن الإفراط وسوء الاستخدام يكلفان الأسرة ثمناً باهظاً”.
بين قصص ريم، وندى، ودينا، وسامر، يظهر جلياً أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت عاملاً رئيسياً في تغير شكل العلاقات الزوجية، وأن المجتمع بحاجة إلى مزيج من التوعية القانونية والاجتماعية والتربوية للحد من أضرارها، بما يضمن حماية الأسرة وصون حقوق الأبناء.