لكل السوريين

السلم الأهلي في ريفي حمص وحماة.. محاولات للإصلاح بعد تصدع اجتماعي خطير

تقرير/ جمانة الخالد

في ظل الأوضاع المتوترة التي يشهدها الريف في محافظتي حمص وحماة، تبرز محاولات جادة لإعادة بناء السلم الأهلي بعد أشهر من التوترات الدامية التي هزت تماسك المجتمع. فمنذ مطلع عام 2025، شهدت قرى وبلدات الريف سلسلة من الأحداث الأمنية التي خلّفت جراحاً عميقة وفتتت النسيج الاجتماعي الذي كان لسنوات رمزاً للتعايش بين المكونات المختلفة. الحكومة السورية، مدركةً خطورة الوضع، سارعت إلى تشكيل لجان مصالحة محلية وعقد اجتماعات مع وجهاء المناطق في محاولة لاحتواء الأزمة، لكن الطريق إلى استعادة الثقة بين الأهالي ما يزال طويلاً وشائكاً.

بدأت الأحداث بالتصاعد في ريف حمص الشمالي وريف حماة الغربي، حيث اندلعت اشتباكات مسلحة بين مجموعات متناحرة على خلفيات متعددة، بعضها انتقامي وبعضها الآخر طائفي. وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن سقوط عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى، ناهيك عن عمليات النزوح التي طالت عائلات كثيرة خشية على حياتها.

في قرية العشارنة بريف حمص، على سبيل المثال، تحول نزاع محلي حول أراضٍ زراعية إلى مواجهات دامية امتدت إلى قرى مجاورة، مما دفع الأهالي إلى إغلاق منازلهم واللجوء إلى مناطق أكثر أمناً. وفي ريف حماة، تكررت حوادث الاغتيالات والهجمات المسلحة التي استهدفت شخصيات من كلا الطرفين، مما زاد من حدة الاحتقان وزعزعة الأمن.

رداً على الاحتقان، أعلنت الحكومة في وقت سابق عن تشكيل “لجنة السلم الأهلي”، ضمت نخبة من المشايخ والوجهاء والناشطين الاجتماعيين، بهدف فتح حوارات مصالحة وتقصي الحقائق حول الأحداث الأخيرة. وقد عقدت اللجنة سلسلة من الجلسات في قرى مثل الحولة وتلبيسة ومورك بريف حمص، وكذلك في صوران وكفر زيتا بريف حماة، حيث استمعت إلى شهادات الأهالي وحاولت تقديم حلول وسطى للأزمات العالقة. كما شكّلت خلايا مصالحة صغيرة في كل قرية لتسهيل عودة النازحين ومتابعة قضايا المفقودين والمعتقلين.

لكن جهود اللجنة واجهت شكوكاً كبيرة من قبل العديد من الأهالي، الذين يرون أن بعض أعضائها لا يتمتعون بالحياد الكافي أو أنهم مرتبطون بأطراف النزاع. ففي قرية تلدو بريف حمص، رفض عدد من العائلات المشاركة في جلسات المصالحة، معتبرين أن العدالة يجب أن تسبق أي حديث عن العفو أو التسامح. يقول أبو محمد، أحد سكان القرية: “كيف نتصالح ونحن نرى قتلة أبنائنا يمرون أمامنا في الشارع دون محاسبة؟ المصالحة يجب أن تقوم على الحق، لا على التنازل عن الحقوق”.

الأمر نفسه يتكرر في ريف حماة، حيث يرى كثيرون أن اللجنة لم تقدم ضمانات كافية لعدم تكرار العنف. فبحسب سامر الحسين، وهو مدرس من قرية اللطامنة، فإن “الخطاب الطائفي ما يزال حاضراً بقوة، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر صفحات تذكي النعرات وتستحضر جراح الماضي”. ويضيف أن “غياب العدالة وتباطؤ الحكومة في محاسبة المجرمين يزيدان من حالة اليأس بين الشباب، الذين قد يلجؤون إلى العنف كحل وحيد”.

من جهتها، تحاول الحكومة تعزيز الأمن في المناطق المتوترة من خلال نشر نقاط عسكرية وإجراءات تفتيش مشددة، لكن هذه الإجراءات تلقى انتقادات من بعض الأهالي الذين يعتبرونها “عقاباً جماعياً” حلاً جذرياً. ففي بلدة القصير، اشتكى السكان من أن الحواجز الأمنية تعيق حركتهم اليومية وتزيد من شعورهم بالعزلة. بينما يرى آخرون، مثل الشيخ علي الدرويش من ريف حماة، أن “الحل الأمني وحده غير كافٍ، بل يجب أن يرافقه إصلاح اقتصادي واجتماعي يقطع الطريق على المروجين للفتنة”.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أطلق عدد من الناشطين والمثقفين في الريف مبادرات مجتمعية تهدف إلى تعزيز التعايش، مثل إقامة مهرجانات ثقافية مشتركة وورش عمل للشباب من مختلف المكونات. ففي بلدة تلبيسة، نظمت مجموعة من النساء جلسات حوار بين العائلات المتضررة، بينما أطلق شباب قرية الكفير بريف حماة حملة لتنظيف الشوارع وإصلاح المنازل المتضررة كرسالة للوحدة. هذه المبادرات، رغم محدوديتها، تلقى ترحيباً واسعاً، لكنها تبقى بحاجة إلى دعم حكومي ومؤسساتي لضمان استمراريتها.

لكن التحدي الأكبر يبقى في الجانب الاقتصادي، حيث يعاني ريفا حمص وحماة من تردي الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة، مما يغذي السخط الاجتماعي. فالكثير من الشباب العاطلين عن العمل يجدون أنفسهم عرضة للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة أو الوقوع في براثن الجريمة المنظمة. تقول أم ياسر، وهي سيدة من ريف حمص: “لو كانت هناك فرص عمل، لما فكر أبناؤنا في حمل السلاح. الفقر هو الذي يدفع الناس إلى التطرف”.

في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور نزار عطية أن “إعادة بناء السلم الأهلي يجب أن ترافقه خطط تنموية حقيقية، مثل إعادة تأهيل البنية التحتية وتشجيع الاستثمارات الصغيرة”. ويضيف أن “الحكومة مطالبة بخطوات سريعة لإنعاش الاقتصاد المحلي، لأن استمرار الأزمة المعيشية سيؤدي حتماً إلى تفجير الأوضاع من جديد”.

رغم كل هذه التحديات، فإن هناك بصيص أمل في أن يتمكن أهالي الريف من تجاوز محنتهم، خاصة مع ظهور أصوات معتدلة تدعو إلى الحوار وتجنب الانجرار إلى العنف. فكما يقول المختار أبو رامي من قرية الغرافة بريف حماة: “نحن جيران منذ مئات السنين، ولن تدمر هذه العلاقة أحداث أشهر. المهم أن نتعلم من أخطائنا ونبني مستقبلاً أفضل لأولادنا”.

ويتوقف نجاح جهود المصالحة في ظل استمرار العوامل المهددة للسلم الأهلي على مدى جدية الحكومة في معالجة الملفات العالقة، من محاسبة المجرمين إلى إصلاح الخدمات، وكذلك على إرادة الأهالي أنفسهم في تجاوز مرارة الماضي. فالسلم الأهلي ليس قراراً فوقياً، بل عملية مجتمعية معقدة تحتاج إلى وقت وصبر، وإلى إيمان الجميع بأن التعايش هو الخيار الوحيد لضمان مستقبل آمن للجميع.

- Advertisement -

- Advertisement -