لكل السوريين

مسؤولية الكلمة في زمن الانقسام… الإعلام السوري بين جسر التفاهم وشرارة الكراهية

إعداد: بتول محمد

يمثل الإعلام في سوريا، وخاصة في الفترات التي أعقبت النزاعات والحروب، أحد أهم الأدوات التي تصوغ ملامح المشهد الاجتماعي والسياسي، وتؤثر بشكل مباشر في اتجاهات الرأي العام.

وجد الإعلام نفسه في ظل التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة، أمام معادلة دقيقة تجمع بين حق الجمهور في المعرفة وواجبه في حماية السلم الأهلي، غير أن هذه المعادلة يمكن أن تصبح خطرة إذا انحرف الخطاب الإعلامي نحو التحريض أو الكراهية، وهو ما يهدد النسيج الاجتماعي ويعمق الانقسامات.

خطاب الكراهية.. المفهوم والمخاطر

تعرّف المفوضية السامية لحقوق الإنسان خطاب الكراهية بأنه أي نوع من التواصل، سواء أكان خطابًا، أو كتابة، أو سلوكًا، يهاجم أو يزدري شخصًا أو مجموعة على أساس الهوية أو ما يُنظر إليه على أنه هوية.

ويعكس هذا التعريف الطبيعة المعقدة لهذه الظاهرة، التي لا تقتصر على الكلمات فحسب، بل تمتد لتؤثر في السلوكيات والمواقف، وقد تتحول إلى محفز فعلي للعنف.

وتكمن خطورة خطاب الكراهية في أنه يخلق بيئة مشحونة، ويغذي الانقسام داخل المجتمع، ومن أبرز مخاطره تعميق الفجوات وتحويل الخلافات الفكرية والسياسية إلى صراعات وجودية، وتأجيج العنف من خلال شيطنة فئة معينة وإثارة العداء ضدها، وفقدان الثقة بوسائل الإعلام إذا تحولت إلى أدوات تحريض، وعرقلة مسارات المصالحة وصناعة السلام.

السويداء كنموذج لدور الإعلام

بعد سقوط النظام البائد، وجدت محافظة السويداء نفسها في حالة فراغ سياسي وأمني، فتعددت القوى الفاعلة وصعدت أطراف ذات مصالح متباينة، وفي هذا المناخ المضطرب أصبحت الساحة الإعلامية أرضًا خصبة لانتشار خطاب مشحون، لا سيما مع غياب المعايير المهنية في بعض المنصات.

وعمدت بعض الجهات الإعلامية عمدت إلى نشر أخبار غير موثقة تثير الخوف أو الغضب، تداول صور وفيديوهات مجتزأة أو خارج سياقها، وتضخيم أفعال فردية وربطها بمكون اجتماعي كامل.

ووفق دليل اليونسكو للإعلام الحساس للنزاعات، فإن اللغة التي تضع مجموعة في مواجهة أخرى أو تصور الخلاف كصراع وجودي تسهم في إدامة النزاع بدلاً من حله، وهذا يجعل الإعلام، في حالات كهذه، أمام مسؤولية مضاعفة لتجنب الانحياز وإعطاء مساحة للرؤى المعتدلة.

وتمثل الوجه السلبي لتغطية الأحداث خلال فترات التصعيد في انحياز بعض المنابر الإعلامية إلى طرف معين، أو في سعيها وراء الإثارة العاطفية على حساب التحقق من الحقائق، وهو ما ساهم في زيادة حدة التوتر بين المكونات الاجتماعية.

أما الوجه الإيجابي يبرز من خلال جهود بعض الصحفيين الذين التزموا التحقق من المصادر، وتجنبوا التعميم، وأعطوا مساحة للأصوات المعتدلة الداعية للحوار، مما ساعد في تخفيف حدة الاستقطاب.

دور الإعلام الحقيقي

ولا يقتصر دور الإعلام الحساس للنزاعات على صياغة الأخبار، بل يشمل جملة من القواعد المهنية والأخلاقية التي تعزز دور الصحفي في الحد من الانقسام. ومن أبرز هذه الخطوات، التحقق من المعلومات عبر أكثر من مصدر قبل النشر، وتجنب تعميم وربط الأفعال الفردية بجماعات بأكملها، واستخدام لغة محايدة بعيدة عن الشحن العاطفي، وتقديم سياق كامل للأحداث وعدم الاكتفاء بالجزئيات المثيرة، وإفساح المجال أمام الأصوات المعتدلة التي تدعو للحوار، والامتناع عن إعادة نشر خطاب الكراهية إلا في سياق نقده وتحليله.

وينص ميثاق شرف الصحافة العربية على أن واجب الصحفي هو تجنب كل ما قد يؤدي إلى إثارة الكراهية أو التحريض على العنف، مع الالتزام بالدقة والإنصاف، وهذا البند يعكس إدراكًا عميقًا لدور الكلمة في صناعة الواقع، فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو فاعل أساسي في صياغة الوعي الجمعي.

وفي السياق ذاته، تؤكد خطة الأمم المتحدة لمكافحة خطاب الكراهية (2019) أن التصدي لهذه الظاهرة مسؤولية جماعية، وأن الإعلاميين يقفون في الصفوف الأمامية لهذه المواجهة نظرًا لتأثيرهم المباشر في تشكيل الرأي العام.

وأظهرت التجارب التي مرت بها سوريا أن الكلمة قد تكون جسرًا نحو بناء الثقة أو شرارة تفتح أبواب الصراع مجددًا، وعلى الإعلام أن يختار بين أن يكون أداة لبناء السلام عبر خطاب متوازن ومسؤول، أو أن يتحول إلى منصة تغذي الانقسام.

وعليه فإن تبني الإعلام الحساس للنزاعات لا يعد مجرد أسلوب تغطية، بل هو التزام طويل الأمد يركز على ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز القواسم المشتركة، وتقديم بدائل سلمية لحل الخلافات، فالكلمة في هذا السياق ليست وسيلة لنقل الأخبار فحسب، بل هي أمانة ومسؤولية أخلاقية تعادل في أهميتها أي سبق صحفي.

 

- Advertisement -

- Advertisement -