لكل السوريين

الذهب الأحمر في سوريا.. زعفران حماة وحمص يزهر بين أنقاض الحرب

تقرير/ جمانة الخالد

في حقول محافظة حماة، حيث تلتقي التربة البنية بأشعة الشمس الذهبية، ينحني المزارع خالد المرعي (42 عاماً) بحذر لقطف زهرة الزعفران البنفسجية. بأصابع خبيرة، يفصل المياسم الحمراء الثمينة التي ستباع بأكثر من وزنها ذهباً. “هذه الزهرة الصغيرة أصبحت مصدر رزق لعائلتي بعد أن فقدت بستاني الزيتون خلال الحرب”، يقول خالد وهو يضع الزهور في سلة من القش.

في السنوات الأخيرة، تحولت زراعة الزعفران في سوريا من هواية نادرة إلى مشروع اقتصادي واعد، خاصة في محافظات حماة وحمص حيث المناخ الملائم والتربة الخصبة. فسعر الكيلوغرام من “الذهب الأحمر” يتراوح بين 4 إلى 7 آلاف دولار، مما يجعله أحد أغلى المحاصيل الزراعية في العالم.

الدكتورة سمر الحلبي، الباحثة في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، توضح أن “الزعفران السوري يتميز بجودة استثنائية، فالمياسم ذات لون أحمر قاتم ورائحة قوية، وهي غنية بالمواد الفعالة. الأهم أن إنتاجنا خال تماماً من المبيدات الكيميائية، مما يجعله منافساً قوياً في الأسواق العالمية”.

في قرية الغاب بريف حماة، تمتد حقول الزعفران على مساحات شاسعة. هنا، تعمل عائلة أبو علي منذ ثلاث سنوات في هذه الزراعة. تقول فاطمة أبو علي (35 عاماً): “بدأنا بمشروع صغير بدعم من منظمة محلية، والآن أصبح لدينا 5 دونمات تدر علينا دخلاً جيداً. العمل شاق ويتطلب دقة، لكن النتيجة تستحق”.

عملية زراعة الزعفران تحتاج إلى صبر وخبرة. فكل زهرة يجب أن تقطف يدوياً في الصباح الباكر، قبل أن تتفتح ثم تفصل المياسم الحمراء بدقة، وتجفف في مكان ظليل جيد التهوية. لإنتاج كيلوغرام واحد من الزعفران الجاف، يحتاج المزارع إلى قطف ما بين 150 إلى 200 ألف زهرة.

المهندس الزراعي باسل الشعار من حمص، الذي يدير عدة مشاريع لزراعة الزعفران، يشرح التحديات: “أكبر عقبة تواجهنا هي نقص الخبرة وصعوبة الحصول على البصيلات عالية الجودة. معظم العمليات تتم يدوياً، مما يزيد التكاليف والجهد المبذول”.

رغم هذه التحديات، فإن العائد الاقتصادي يجعل المشروع مجدياً. الدونم الواحد يمكن أن ينتج بعد ثلاث سنوات من 1 إلى 3 كيلوغرامات من المياسم الجافة، بقيمة تصل إلى 21 ألف دولار في السوق الدولية.

علي الحسين (50 عاماً) من ريف حمص، الذي تحول من زراعة القمح إلى الزعفران، يقول: “الزعفران يحتاج مياهاً أقل بثماني مرات من القمح، ويعطي عائداً أعلى بكثير. الآن أستطيع تعليم أولادي وتأمين حياة كريمة لعائلتي”.

لكن طريق النجاح ليس مفروشاً بالورود. التسويق يظل التحدي الأكبر، خاصة مع صعوبة التصدير بسبب العقوبات الدولية. معظم المنتجين يبيعون محلياً بأسعار أقل بكثير من السوق العالمية. الغرام الواحد يباع في سوريا بـ4-5 دولارات، بينما يصل سعره في أوروبا إلى 12 دولاراً.

الدكتورة الحلبي تؤكد أن “الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية تعمل على نشر زراعة الزعفران من خلال الأيام الحقلية والدورات التدريبية. نحن نتعاون مع الجامعات والمنظمات الدولية لتطوير هذه الزراعة الواعدة”.

في مختبرات كلية الزراعة بجامعة حمص، يجري الباحثون تجارب لتحسين جودة الإنتاج. الدكتور معن الدروبي، أستاذ النباتات الطبية، يقول: “اكتشفنا أن الزعفران السوري يحتوي على نسبة عالية من المركبات الفعالة، خاصة الكروسين والسافرانال، مما يجعله الأفضل في المنطقة”.

الزعفران لا يعود بفوائد اقتصادية فقط، بل له استخدامات طبية وتجميلية عديدة. فهو مضاد طبيعي للأكسدة، ومهدئ للأعصاب، ويستخدم في منتجات التجميل لتبييض البشرة. في سوق حماة القديم، تبيع الصيدليات المحلية الزعفران كعلاج طبيعي للعديد من الأمراض.

أم محمد (60 عاماً)، التي تبيع الزعفران في سوق الحميدية بحمص، تقول: “أعمل في هذه المهنة منذ أربعين عاماً. خلال الحرب، كان الزعفران سلعة نادرة، لكن الآن عاد الإنتاج وأصبح الناس يقتنونه للعلاج والطبخ”.

رغم النجاحات، تبقى التحديات قائمة. الخبير الزراعي نزار قاسم يوضح: “نحتاج إلى تطوير عمليات المكننة، وتحسين طرق التجفيف والتعبئة، وإنشاء قنوات تسويق منظمة. الأهم هو دعم المزارعين الصغار وتمكينهم من الاستفادة من هذه الثروة”.

في حقل بقرية تلدو بريف حمص، تجتمع نساء القرية كل صباح لقطف زهور الزعفران. سلمى (28 عاماً)، إحدى العاملات، تقول: “هذا العمل وفر لنا فرصة كريمة للعمل دون مغادرة القرية. نتقاضى أجراً جيداً مقابل عملنا”.

مستقبل زراعة الزعفران في سوريا يبدو واعداً. فالتوقعات تشير إلى أن حجم السوق العالمي سيصل إلى ملياري دولار بحلول 2026. ومع تحسن الظروف الأمنية وزيادة الدعم، يمكن للزعفران السوري أن يحتل مكانة متميزة في السوق الدولية.

كما يقول المزارع خالد المرعي: “الزعفران علمنا الصبر والأمل. النبتة التي تخرج من الأرض الجافة، نحن أيضاً نعيد بناء حياتنا من بين الأنقاض. كل زهرة نقطفها هي انتصار على اليأس، وخطوة نحو مستقبل أفضل”.

- Advertisement -

- Advertisement -