لكل السوريين

في شوارع حماة.. “سرافيس” النقل الداخلي فوضى تختنق تحتها المدينة

حماة/ جمانة الخالد

تتحرك كسربٍ من الجراد، بلا نظامٍ ولا ضابط، حافلات “السرافيس” الصغيرة تغزو شوارع حماة، تزحمها، تختطف مساحاتها، وتختنق تحتها حركة المدينة التي تعاني أصلاً من شظف العيش وتراكم الأزمات. لم تعد هذه الوسيلة مجرد حلٍ لنقل المواطنين، بل تحولت إلى مصدرٍ يومي للإزعاج والاختناق المروري، في مدينةٍ تشتهر بجمالها التاريخي وهدوئها الأصيل، لكنها اليوم تكاد تفقد أنفاسها تحت وطأة هذه الفوضى.

في مشهدٍ يتكرر صباحاً ومساءً، تتحول شوارع حماة إلى حلبة سباق غير منظمة، حيث تتناثر حافلات “السرافيس” في كل اتجاه، تتوقف فجأةً، تنطلق بعنف، تتجاوز الإشارات، وتتزاحم على الركاب وكأنها في حربٍ على لقمة عيش. السائقون يقطعون الطرقات كيفما اتفق، يتوقفون في منتصف الشارع، عند المفارق، وحتى على الأرصفة، بينما يضطر الركاب إلى القفز إلى داخل المركبات أو الخروج منها وسط زحامٍ يذكر بأيام الأسواق الشعبية المزدحمة.

يقول أحمد الناصر (45 عاماً)، موظف في إحدى الدوائر الحكومية: “كل صباح أتحول إلى بهلوان، أركض خلف السرافيس، أتعلق بأبوابها، وأدفع نفسي بين الزحام كي لا أتأخر عن العمل”. ويضيف: “لا يوجد التزام بخطوط محددة، ولا مواقف واضحة، كل شيء خاضع لمزاج السائق ورغبته في جمع أكبر عدد من الركاب بأسرع وقت”.

المشكلة لا تقتصر على الفوضى المرورية فحسب، بل تمتد إلى جودة الخدمة المقدمة، حيث تعاني معظم حافلات “السرافيس” من إهمال صارخ في الصيانة، فالمقاعد ممزقة، النوافذ عالقة، أبواب بالكاد تُغلق، ومحركات تصدر أصواتاً كأنها على وشك الانهيار. رائحة الوقود تملأ الهواء داخل المركبات، بينما يختنق الركاب بدخان العوادم الذي يتسرب من شقوقٍ لا تحصى.

وتصف سمر الحسين (32 عاماً)، معلمة في إحدى مدارس المدينة، رحلتها اليومية بالقول: “كأنني أدخل غرفة تعذيب، الرائحة الكريهة، الازدحام، الصراخ، والحركة المفاجئة للسيارة تجعل من الذهاب إلى العمل مغامرة يومية مرهقة”. وتضيف: “في كثير من الأحيان، يقرر السائق فجأة تغيير مساره أو عدم إكمال الرحلة لأن عدد الركاب قليل، مما يضطرني إلى النزول في مكانٍ غير مخصص والبحث عن وسيلة نقل أخرى”.

أما عن التسعيرة، فهي قصة أخرى تزيد من معاناة المواطنين، فبينما كانت أجرة النقل قبل عام لا تتجاوز 2000 ليرة سورية، رغم صعوبة الظروف وغلاء الوقود، ها هي اليوم ترتفع إلى 3000 ليرة، رغم انخفاض سعر الدولار وتحسن توفير المحروقات. وهذا الأمر يزيد العبء على كاهل المواطنين، خاصةً أولئك الذين يعتمدون على “السرافيس” بشكل يومي، كالطلاب والموظفين وأصحاب الدخل المحدود.

يقول أبو ياسر (60 عاماً)، متقاعد: “كيف نفسر أن الأجرة ارتفعت رغم أن الظروف أصبحت أفضل؟ قبل سنة كنا نعاني من شح الوقود وغلاء الأسعار، واليوم الوضع مختلف، لكن الأجرة ما زالت مرتفعة بلا مبرر”.

لكن السائقين لديهم وجهة نظر أخرى، فهم يرون أن الأجرة الحالية بالكاد تغطي تكاليفهم، خاصةً مع ارتفاع أسعار قطع الغيار وزيادة مصاريف الصيانة. يقول السائق أبو محمد (50 عاماً): “الناس تعتقد أننا نربح الآلاف من كل راكب، لكن الحقيقة أننا ندفع معظم الأجرة لصاحب المركبة، ثم هناك الوقود، الصيانة، والضرائب. أحياناً نعمل رحلات كاملة بعدد قليل من الركاب، مما يجعل الربح ضئيلاً للغاية”.

وإذا كان الركاب يعانون من الفوضى وارتفاع الأجرة، فإن السائقين أيضاً يعيشون تحت ضغطٍ دائم، حيث يضطرون للعمل لساعات طويلة في ظروف مرهقة، مع غياب أي دعم حقيقي من الجهات المعنية.

أما “المنادون”، أو المرافقون كما يطلق عليهم، فهم جزءٌ آخر من المشهد الفوضوي، حيث يقفون على أبواب “السرافيس” يصرخون بأسماء المحطات، يتنافسون على جذب الركاب، ويتحول الموقف أحياناً إلى ما يشبه المزاد العلني، حيث تعلو الأصوات ويتحول المكان إلى ساحة فوضى عارمة.

ويقول علي (17 عاماً)، الذي يعمل مرافقاً على أحد الخطوط: “أعمل من السابعة صباحاً حتى الثامنة مساءً، أحاول جذب أكبر عدد من الركاب لأن راتبي يعتمد على عدد الرحلات”. لكن وجود هؤلاء المرافقين، خاصةً أن كثيراً منهم أطفالٌ في سن الدراسة، يطرح تساؤلاتٍ حول جدوى هذه الظاهرة وانعكاساتها السلبية على تنظيم الحركة المرورية.

وفي محاولةٍ للحد من الفوضى، أصدرت محافظة حماة مؤخراً قراراً ينظم عمل “السرافيس”، ويحدد الأجرة بـ 2000 ليرة، مع التأكيد على الالتزام بالخطوط المحددة وعدم التوقف العشوائي. لكن القرار يبدو حبراً على ورق في ظل غياب الرقابة الفعلية، حيث تستمر الفوضى كما هي، والسرافيس تتحرك وكأنها في أرضٍ بلا قانون.

ولا يختلف الأمر كثيراً، فغياب التنظيم وتردي البنية التحتية للمواصلات يجعل من “السرافيس” الخيار الوحيد أمام الكثير من المواطنين، رغم كل ما يرافقها من سلبيات. ففي الوقت الذي تبحث فيه العديد من المدن عن حلولٍ حديثة لنقلٍ عامٍ منظمٍ وآمن، تظل حماة، مثل غيرها من المدن السورية، تعاني من أزمة نقلٍ خانقة، حيث الفوضى هي سيدة الموقف، والمواطن هو من يدفع الثمن.

- Advertisement -

- Advertisement -