لكل السوريين

في درعا تهشيم لحضارات عبر تنقيب عشوائي عن آثار

درعا/ رجاء مختار

من قلب محافظة درعا السورية، حيث تتقاطع طبقات التاريخ مع مآسي الحاضر. أنباء مقلقة تفيد باستشراء ظاهرة خطيرة تهدد الإرث الإنساني الذي صمد لآلاف السنين. لم تعد عمليات التنقيب عن الآثار مجرد حكايات تتداول همساً، بل تحولت إلى مشهد علني، صارخ، ينتهك حرمة الأرض وتاريخها تحت وطأة الجرافات وآلات الحفر، في سيناريو مأساوي يكرر نفسه يومياً تحت سمع السلطات وبصرها، وفقاً لتقارير محلية وتصريحات مسؤولين.

الأمر تأكيده على لسان رئيس شعبة التنقيب في دائرة آثار درعا، أيهم الزعبي، يتم رسم صورة قاتمة لواقع جديد يضاف إلى جراح هذه المنطقة التي أنهكها النزاع. لقد تجاوزت الظاهرة مرحلة السرية والخفاء، لتصبح عملية سلبية منهجية تُنفذ في وضح النهار، وكأنها مهنة أو حرفة جديدة فرضتها ظروف القهر الاقتصادي والفراغ الأمني.

يقول الزعبي إن المئات باتوا يمارسون هذا النهب المنظم، محذراً من عواقب وخيمة لا تقتصر على فقدان قطع أثرية ثمينة، بل تمتد إلى تدمير السويات والطبقات الأثرية ذاتها، ما يعني محواً لتاريخ لم يكتب بعد، وفقداناً للمعرفة حول حياة من سكنوا هذه الأرض قبلنا.

القصة الأكثر إيلاماً هي تلك التي تحدث على مسار الخط الحديدي الحجازي الشهير، ذلك الشريان الحيوي الذي كان يوماً شاهداً على تاريخ المنطقة وربطها بالإمبراطورية العثمانية وبالعالم. اليوم، لم يعد هذا الموقع رمزاً للتواصل، بل تحول إلى ساحة للنهب.

وتعمل جرافات ضخمة وحفارات تعمل على امتداد هذا المسار التاريخي، لا لترميمه أو لإحيائه، بل لتمزيق بطنه بحثاً عن ذهب أو قطع أثرية يمكن بيعها في السوق السوداء. كل ضربة معول، وكل غرفة جرافة، ليست مجرد حفرة في الأرض؛ إنها جرح في جسد التاريخ، تمزق نسيجاً أثرياً معقداً تشكل على مدى قرون. هذه الطبقات الأرضية هي مثل صفحات كتاب قديم جداً؛ إذا مزقتها للبحث عن جملة واحدة براقة، فإنك تدمر القصة كاملة إلى الأبد.

وراء كل حفرة، هناك قصة إنسان. ليست قصص لصوص محترفين بالضرورة، بل في كثير من الأحيان، هي قصص يأس. أحد سكان المنطقة، الذي فضل عدم ذكر اسمه خوفاً من رد الفعل، يحكي كيف أن “أبو علي”، وهو أب لخمسة أطفال، لم يجد قوت يومه، فانضم إلى مجموعة من المنقبين. لم يكن يحلم بكنز أسطوري، بل بأجر يومي قد لا يتجاوز بضعة دولارات، يساعده على شراء الدقيق والزيت لأسرته.

في الصباح، يأخذ معوله ويتجه إلى أرض شاسعة يعتقد الجميع أنها تخفي تحت ترابها ثروات الأجداد. هو لا يعرف أن ذلك “الكنز” الذي يسعى إليه هو في حد ذاته تاريخ يحتاج إلى الحماية، فهو يرى في قطع الفخار المكسورة والمسكوكات المعدنية الباهتة أملاً في إنقاذ أطفاله من الجوع. هذه المأساة الإنسانية هي الوقود الذي يغذي هذه الكارثة الثقافية.

لكن الخسارة تتجاوز الجانب الإنساني الفردي. التحذير الذي أطلقه السيد الزعبي من “انهدامات” تهدد المعالم الأثرية المهمة، هو تحذير جدي. درعا ليست أرضاً عادية؛ إنها متحف مفتوح، تروي آثارها حقباً من التاريخ الكنعاني والروماني والبيزنطي والإسلامي.

كل عملية حفر عشوائي هي بمثابة هزة أرضية مصغرة تُضعف أساسات هذه المعالم. قد يؤدي حفر نفق عشوائي تحت جدار أثري إلى انهياره كلياً في أي لحظة، ليس فقط محوًا للآثار التي يسعى المنقبون لسرقتها، بل تدميراً للبناء نفسه الذي قد يكون معبداً أو قلعة أو سوقاً تاريخياً. إنه تدمير للهوية وللذاكرة الجمعية لأمة بأكملها.

المأساة السورية مع تدمير تراثها ليست جديدة، فقد شهد العالم بأسى تدمير أجزاء من تدمر وتخريب مواقع أخرى خلال سنوات الحرب. لكن ما يحدث في درعا اليوم هو شكل آخر من أشكال الموت البطيء للتاريخ. تفجير مفاجئ مذهل، بل هو نزيف يومي صامت.

القطع الأثرية التي يتم انتشالها بعنف تُقطع عن سياقها التاريخي، فتفقد قيمتها العلمية الهائلة، ولا تباع في الأسواق المظلمة إلا كمجرد تحف فنية منفصلة عن قصتها، مبتورة الجذور، منزوعة الروح.

في النهاية، فإن تحذيرات الزعبي ليست مجرد أخبار عابرة. إنها صرخة استغاثة أخيرة. حماية هذا الإرث ليست مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، التي يبدو أنها عاجزة أمام هذه الآفة، بل هي مسؤولية المجتمع الدولي، ومنظمات الثقافة العالمية، وضمير الإنسانية جمعاء.

ثم إن إنقاذ آثار درعا هو إنقاذ لصفحة أساسية من كتاب التاريخ البشري، قبل أن تتحول تلك الجرافات الصغيرة والكبيرة كل صفحة فيها إلى غبار، لا يبقى منه سوى حكايات عن كنوز ضاعت، وتاريخ انتهى، تحت شمس درعا الصافية التي صارت تشهد على مأساة جديدة تضيفها إلى سجلها الحافل بالألم.

- Advertisement -

- Advertisement -