دمشق/ مرجانة إسماعيل
عند إشارة المرور في ساحة الشهبندر، يبدو المشهد وكأنه لوحة متكررة يومياً بأبطال مختلفين. أطفال بملابس رثة، نساء تحملن الرضع، وشيوخ يتكئون على عصيهم.. جميعهم ينتظرون الإشارة الحمراء لتبدأ طقوس التسول. هنا، حيث تتحول نوافذ السيارات إلى بوابات للاستجداء، يصبح كل وقفة عند الإشارة اختباراً للإنسانية ومرآة تعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها العاصمة السورية.
لم تعد ظاهرة التسول مجرد مشهد عابر يثير الشفقة، بل تحولت إلى واقع يومي ثقيل يثقل كاهل المدينة وسكانها. ففي كل زاوية من زوايا دمشق، عند كل إشارة مرور، أمام كل فرن شعبي، تتراصف وجوه تطلب المساعدة. بعضها يحمل علب مناديل، وبعضها يقدم خدمات وهمية لغسيل الزجاج المتسخ أساساً، والبعض الآخر يمد يده بصمت محطم.
وراء هذه الوجوه، تقف قصص إنسانية مؤلمة. أم أحمد، التي تقف عند إشارة العباسيين، تحمل طفلها الرضيع بينما تمد يدها الأخرى نحو السيارات. تقول: “لم أتخيل نفسي يوماً في هذا المكان. كنت أعمل معلمة قبل الحرب، والآن أصبحت أتسول لشراء دواء لابني”. صوتها يكاد يختنق بين ضجيج السيارات ونظرات المارة التي تتراوح بين الشفرة والازدراء.
الأطفال هم الأكثر ظهوراً في هذا المشهد المؤلم. محمد، الذي لا يتجاوز العاشرة من عمره، يجري بين السيارات حاملاً علب العلكة. يقول إنه يعمل من العاشرة صباحاً حتى الثامنة مساءً، ويجب أن يجمع مبلغاً محدداً يومياً وإلا سيتعرض للضرب من قبل المشرفين عليه. “أحياناً أتعرض للصفع من السائقين الغاضبين، ولكن لا بد أن أستمر”، يضيف محمد بعينين مليئتين بالخوف والإرهاق.
الباحثة الاجتماعية د. سمر الحلبي ترى أن “ظاهرة التسول في دمشق ليست مجرد مسألة فقر فردي، بل هي نتيجة لانهيار كامل في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية”. وتوضح في حديثها أن “ما نراه على الطرقات هو فقط القمة الظاهرة لجبل جليدي من المعاناة، حيث يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويعاني واحد من كل أربعة من البطالة”.
الشرطة تواجه معضلة حقيقية في التعامل مع هذه الظاهرة. الرقيب علي، الذي يعمل في تنظيم السير عند جسر فكتوريا، يقول: “نقوم يومياً بتسجيل بلاغات عن المتسولين، ونطلب الدعم من دوريات الشرطة، لكنهم يعودون بعد دقائق. الحل الأمني وحده غير كاف، بل قد يزيد المشكلة تعقيداً”.
التسول في دمشق لم يعد مهنة للمحتاجين فقط، بل تحول إلى شبكة منظمة تستغل الأطفال والنساء. فاطمة، التي تبلغ من العمر 13 عاماً، تحكي كيف يتم إجبارها على العمل من قبل أشخاص يستولون على معظم ما تجمعه. “أحياناً نعمل 10 ساعات متواصلة، ونعطي كل ما نجنيه لرجل يأتي مساءً ليأخذ النقود”، تقول فاطمة بينما تمسح دمعتها بأكملاها البالية.
المواطنون يعيشون صراعاً يومياً بين الرغبة في المساعدة والخوف من الاحتيال. أبو محمد، سائق تكسي، يقول: “أشعر بالحزن عندما أرى الأطفال بين السيارات، لكنني لا أعرف من يستحق المساعدة حقاً ومن يستغفلنا. كثيرون أصبحوا يتسولون بطريقة مهنية”.
الحلول المقترحة تتطلب وفق خبراء نهجاً متكاملاً. د. الحلبي تقترح “إنشاء برامج تشغيل تستهدف الأسر الأكثر فقراً، وإعادة تفعيل شبكات الحماية الاجتماعية، وتوفير التعليم المجاني للأطفال”. كما تشير إلى تجارب ناجحة في دول مثل البرازيل والمغرب يمكن الاستفادة منها.
دمشق، التي عُرفت عبر التاريخ بحضارتها وجمالها، تواجه اليوم تحدياً إنسانياً كبيراً. الأطفال الذين يركضون بين السيارات اليوم قد يكونون أطباء ومهندسي الغد إذا ما وجدوا الدعم المناسب. النساء اللواتي يمددن أيديهن طلباً للمساعدة يمكن أن يصبحن معيلات كريمات إذا أتيحت لهن فرص العمل.