لكل السوريين

في أسواق حماة.. الباعة يتحدون الغلاء بـ”تجارة الفقراء”

حماة/ جمانة الخالد

وسط الأزقة الضيقة لسوق المدينة القديمة في حماة، حيث تتدلى الأقمشة البالية على الحبال وتنتشر العربات الخشبية على قارعة الطريق، يصارع أناس منسيون من أجل البقاء. هنا، حيث تحولت تجارة “الخردة” و”البالة” إلى مصدر رزق وحيد للعشرات من العائلات، تروي كل قطعة ملابس مستعملة قصة صمود أمام واقع اقتصادي مُزري.

محمد الحلاق (45 عاماً)، الذي كان يعمل نجاراً قبل الحرب، يجلس الآن خلف طاولة صغيرة مغطاة بملابس مستعملة مرصوصة بعناية. يقول وهو يلمع حذاءً قديماً: “هذه المهنة لم تكن في الحسبان، لكنها أنقذت عائلتي من الجوع”. بعد أن فقد ورشته ودخله الثابت، اضطر محمد للانتقال إلى هذه التجارة التي يصفها بـ”تجارة الفقراء”. يضيف: “أشتري القطع من جامعي الخردة، وأنظفها وأصلحها لأبيعها بثمن بخس. الأرباح قليلة لكنها تمنعنا من السؤال”.

لا تبعد كثيراً عن دكّان محمد، تنتصب عربة صغيرة لعائلة كاملة. الأم سلمى (32 عاماً) وأطفالها الثلاثة يفرزون الملابس المستوردة من أكياس بلاستيكية ضخمة. تقول سلمى بينما تحاول إسكات طفلها الرضيع: “نعمل من الفجر إلى الغروب. أطفالي لم يعودوا يذهبون إلى المدرسة لأننا نحتاج كل قرش”. تشرح كيف أنهم يشترون الكيس المليء بالملابس بمبلغ يصل إلى 50 ألف ليرة، ثم يقومون بفرزه وبيع القطع الجيدة بأسعار تتراوح بين 5 و20 ألف ليرة للقطعة.

اللافت في سوق حماة ليس فقر الباعة، بل تكيفهم المذهل مع الظروف القاسية. فقد طور الكثيرون منهم مهارات إصلاح الملابس وإعادة ترميمها، بل وتحويل القطع الأكبر حجماً إلى ملابس أطفال عبر التعديل والخياطة. أحد هؤلاء هو أبو بكر (60 عاماً) الذي يعمل في السوق منذ عشرين عاماً. يقول الرجل العجوز: “في السابق كنا نبيع للفقراء فقط، اليوم أصبح الزبائن كل الناس.. حتى الموظفون وأصحاب الشهادات الجامعية”.

ورغم الازدحام الظاهر في السوق، فإن الأرباح لا تكاد تكفي. يشرح حسين (28 عاماً)، وهو شاب خريج كلية التجارة، كيف اضطر للعمل في هذا السوق بعد أن فقد عمله في محل للملابس الجاهزة. يقول: “أعمل هنا منذ عامين، وفي أفضل الأيام أجني 30 ألف ليرة. هذا لا يكفي لدفع إيجار الغرفة التي نسكنها، لكنه أفضل من لا شيء”.

القصة الأكثر مأساوية هي قصة أم أحمد (55 عاماً)، التي تبيع الملابس المستعملة بينما ترقد ابنتها المريضة على فراش بجانبها. تقول المرأة بينما تمسح دمعتها: “ابنتي تحتاج دواء لا نقدر على شرائه. أبيع هذه الملابس لأجمع ثمن الحبوب التي تخفف آلامها فقط”. تظهر في عينيها معاناة سنوات من الحرب والفقدان.

هذا السوق العشوائي لم يعد مكاناً للبيع والشراء، بل تحول إلى مجتمع متكامل من الفقراء يتبادلون المساعدة والدعم. يتشارك الباعة في وجبات الطعام، ويقومون بجمع التبرعات لمن يصاب بمرض منهم، ويحمون بعضهم من مضايقات البلطجية. يقول محمد الحلاق: “نحن هنا مثل عائلة واحدة. إذا غاب أحدنا عن العمل بسبب المرض، نجمّع له بعض المال لنعطيه إياه عند عودته”.

لكن هذه الحياة الهشة مهددة دائماً. فالبلدية تقوم بين الحين والآخر بحملات إزالة للبسطات العشوائية، وتفرض غرامات باهظة على الباعة. يقول حسين: “في الأسبوع الماضي فقط أخذوا كل بضاعتي لأنني لم أستطع دفع الرشوة للموظف. اضطررت إلى اقتراض مال لاستعادتها”.

ورغم كل هذه المعاناة، يرفض باعة سوق حماة الاستسلام. فهم يعتبرون أنهم يقدمون خدمة اجتماعية مهمة لمجتمع يعاني من الفقر المدقع. كما يقول أبو بكر: “الناس لم تعد تقدر على شراء الجديد. نحن نبيعهم الملابس لنحميهم من العري والبرد. هذه مهنة شريفة”.

- Advertisement -

- Advertisement -