لكل السوريين

تلوث المياه في سوريا.. قنبلة صحية موقوتة تهدد الملايين

يشكّل تلوث المياه في سوريا أحد أخطر التحديات الصحية والبيئية التي تواجه المواطنين في مختلف المحافظات، إذ لم يعد الحصول على مياه نظيفة وآمنة للشرب أمراً بديهياً، بل بات معاناة يومية تلقي بظلالها على الصحة العامة وتزيد من انتشار الأمراض الوبائية في بلد يعاني أصلاً من أزمة إنسانية خانقة.

أزمة متراكمة

منذ سنوات الحرب، تضررت البنية التحتية لشبكات المياه والصرف الصحي بشكل كبير، حيث تعرضت محطات الضخ للتدمير أو التوقف عن العمل نتيجة انقطاع الكهرباء أو نقص مواد التعقيم. وفي ظل هذا الواقع، يلجأ السكان إلى مصادر بديلة، كحفر الآبار العشوائية أو شراء المياه من الصهاريج الخاصة، وهي في معظم الأحيان غير خاضعة لأي رقابة صحية، ما يجعلها عرضة للتلوث بالجراثيم والمواد الكيميائية.

انعكاسات صحية خطيرة

تؤكد تقارير وزارة الصحة ومنظمات دولية أن تلوث المياه ساهم بشكل مباشر في ارتفاع حالات التهاب الكبد A، والكوليرا، والإسهالات الحادة، خصوصاً في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد. ففي العام الماضي فقط، تم تسجيل آلاف الإصابات بالكوليرا نتيجة شرب مياه غير صالحة، وانتشرت التحذيرات من عودة هذه الأمراض التي كانت قد اختفت نسبياً قبل الأزمة.
الأطباء يحذرون من أن استمرار استهلاك مياه ملوثة سيؤدي إلى تفاقم أمراض الكلى والجهاز الهضمي، إضافة إلى زيادة معدلات سوء التغذية لدى الأطفال الذين يعدّون الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه المخاطر.

أبعاد بيئية واقتصادية

لا يقتصر التلوث على الجانب الصحي فحسب، بل يتعداه ليهدد البيئة الزراعية أيضاً، حيث يُضطر المزارعون لاستخدام مياه ملوثة لري محاصيلهم بسبب ندرة الموارد المائية النظيفة. هذا الأمر يؤدي إلى تلوث الغذاء نفسه، وبالتالي انتقال الملوثات إلى السلسلة الغذائية للسكان.
اقتصادياً، ترتفع كلفة معالجة الأمراض الناتجة عن المياه الملوثة على الأسر والدولة، في وقت تعاني فيه المؤسسات الصحية من نقص حاد في الأدوية والتجهيزات.

جهود خجولة وحلول مؤقتة

الحكومة السورية، بالتعاون مع منظمات دولية مثل “اليونيسف” و”الصحة العالمية”، تعمل على إعادة تأهيل بعض محطات المياه وتزويدها بالمواد المعقمة، إضافة إلى حملات توعية للسكان حول طرق تعقيم المياه في المنازل باستخدام الكلور أو الغلي. لكن هذه الجهود لا تزال محدودة أمام حجم المشكلة، إذ تحتاج البلاد إلى خطط طويلة الأمد لإعادة بناء شبكات المياه والصرف الصحي وضمان استدامتها.

أصوات من الشارع

المواطنون في دمشق وحلب والرقة يؤكدون أن شراء مياه الصهاريج أصبح عبئاً اقتصادياً ثقيلاً، وأنهم يضطرون في كثير من الأحيان إلى المخاطرة باستخدام مياه مشكوك في صلاحيتها. تقول أم سامر، ربة منزل من ريف دمشق: “لم نعد نثق بالمياه التي تصلنا عبر الشبكات، ورغم غليها، يبقى الطعم غريباً ونخشى على صحة أطفالنا.”

مستقبل غامض

مع استمرار الأزمة وتفاقم التلوث، يخشى خبراء الصحة أن يتحول تلوث المياه في سوريا إلى كارثة صحية صامتة، ما لم يتم التعامل معها كأولوية وطنية ودولية. فالمياه، كما يصفها المختصون، ليست مجرد مورد طبيعي، بل هي أساس الأمن الصحي والغذائي، وأي إهمال في معالجتها سيترك آثاراً مدمرة على الأجيال القادمة.

- Advertisement -

- Advertisement -