تقرير/ بسام الحمد
في أحياء حمص القديمة، حيث كانت رائحة الجلود والدباغة تفوح من كل زاوية، تحمل عبق التاريخ وروح الحرفية العريقة، يسود اليوم صمت كئيب. هنا، بين جدران المدابغ العتيقة، تتجسد مأساة صناعة الجلود التي تعد من أقدم الحرف اليدوية في سوريا، والتي صمدت قرونًا طويلة قبل أن تهزها الظروف الاقتصادية والسياسية في السنوات الأخيرة.
محمد السيد، صاحب مدبغة ورثها عن أجداده، يقف أمام آلاته الصامتة وهو يملؤه شعور بالحنين والحسرة في آن واحد. يقول: “هذه المهنة عمرها مئات السنين، لكنها قد تختفي في غضون أشهر. كل حجر وكل آلة في هذا المكان تحمل ذكريات عائلتنا، ومعها تراث المدينة.” قصة محمد ليست استثناءً، بل هي جزء من مأساة أكبر تهدد إرثًا حرفيًا امتد عبر أجيال عديدة في سوريا.
في حمص وحدها، توقفت أكثر من 30 مدبغة عن العمل من أصل 45 كانت تعمل قبل الحرب، فيما لم يتبق في حماة سوى 10 مدابغ تعمل من أصل 35، ما يعكس حجم الأزمة الحقيقية التي تهدد أحد أقدم القطاعات الحرفية في البلاد.
عبد الرحمن الحلاق، رئيس جمعية الحرفيين في حمص، يوضح طبيعة الأزمة: “المشكلة ليست في انخفاض الطلب، بل في انعدام المواد الأولية. معظم المدابغ تعتمد على الجلود المحلية، لكن أعداد الماشية انخفضت بشكل كارثي، والاستيراد أصبح شبه مستحيل بسبب القيود الجمركية وارتفاع التكاليف.”
الوضع في حماة لا يختلف كثيرًا. فاطمة الناصر، إحدى آخر صاحبات مدابغ النساء، تقول: “كنا نصنع أجود أنواع الجلود التي تصدر إلى دول العالم. اليوم، نواجه غزو المنتجات الصينية الرخيصة التي تدمر سوقنا المحلي.” وتشير بإحباط إلى رفوف مليئة ببضائع مستوردة تُباع بأسعار أقل من تكلفة الإنتاج المحلي، ما يزيد من صعوبة صمود الحرفيين.
الأزمة لم تؤثر فقط على أصحاب المدابغ، بل امتدت لتشمل سلسلة الإنتاج بأكملها. أحمد المرعي، مزارع من ريف حمص، يروي كيف تسبب انخفاض أعداد الماشية في تدهور وضعه المعيشي: “كنت أبيع جلود أغنامي إلى مدابغ حمص بأسعار جيدة. اليوم لم يعد هناك طلب، واضطررت لبيع قطعاني بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف.”
في مصنع صغير للدباغة بحماة، يحاول المهندس باسل خضر الحفاظ على استمرارية العمل رغم الصعوبات اليومية. يقول: “نضطر لاستخدام بدائل رديئة الجودة، لأن المواد الكيميائية الأساسية أصبحت غير متوفرة أو بأسعار خيالية.” ويشير إلى براميل كيميائية نصف فارغة، تعكس واقعًا مريرًا يواجه الحرفيين.
الجمعية الحرفية لصناعة الجلود في حماة تحاول إيجاد حلول مبتكرة، وفق ما يوضح عبد الله الحموي، نائب رئيس الجمعية: “نعمل على مشروع لتجميع المدابغ الصغيرة في منطقة صناعية موحدة، لكننا نواجه صعوبة في توفير التمويل والأرض المناسبة.” المشروع، الذي كان من الممكن أن ينقذ عشرات الوظائف، يعاني من بيروقراطية حكومية وتعقيدات التمويل، ما يزيد من صعوبة إنقاذ الحرف التقليدية من الانقراض.
الخبير الاقتصادي د. نزار قاسم يحذر من تداعيات انهيار هذا القطاع: “صناعة الجلود كانت تمثل رافدًا مهمًا للاقتصاد الوطني وتشغل آلاف العائلات. انهيارها سيؤثر سلبًا على سلسلة القيمة المضافة، من المزارع إلى الحرفي وصولاً إلى التاجر.” ويضيف: “الفقدان لا يقتصر على الاقتصاد فحسب، بل يمتد إلى جانب ثقافي واجتماعي مهم، إذ تمثل المدابغ تراثًا حياً وذاكرة تاريخية للمدينة.”
في مواجهة هذه الأزمة، يلجأ بعض الحرفيين إلى حلول إبداعية، مثل التخصص في المنتجات التراثية والفنية أو صناعة التحف الجلدية الصغيرة، لكن هذه الحلول تبقى محدودة ولا تعوض حجم الخسائر.
القصة الأكثر إيلامًا هي تلك التي يعيشها عمال الدباغة القدامى، الذين قضوا أعمارهم في تعلم المهنة وصقل مهاراتهم اليدوية. أبو علي، الذي أمضى أكثر من أربعين عامًا في المدبغة، يقول: “هذه الحرفة تحتاج إلى سنوات لتعلمها، لكن اليوم لم يعد هناك من يريد تعلمها. الشباب يهاجر أو يبحث عن أعمال أسهل وأكثر ربحًا.”
بينما تستمر الأزمة، تبقى مدابغ حمص وحماة شاهدة على إرث حرفي يقف على حافة الهاوية. إن صراع الحرفيين من أجل البقاء في مواجهة تحديات متلاحقة أصبح معركة يومية للحفاظ على التراث والصمود الثقافي. فكل دكان، وكل آلة، وكل قطعة جلد تُصنع هنا، ليست مجرد سلعة، بل شهادة على الحرفية السورية العريقة، وعلى قدرة الإنسان على مقاومة النسيان الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
إن مدابغ حمص وحماة ليست مجرد منشآت صناعية، بل مراكز ثقافية حيّة تحفظ حكايات الأجداد، وتراث الحرف اليدوية، وتربط بين الماضي والحاضر، بين المزارع والحرفي والتاجر، وبين الأجيال التي تربت على حب العمل اليدوي وصناعة التاريخ. ومع كل تحدٍ يواجهونه، يؤكد الحرفيون أنهم حراس لتراث يتجاوز حدود المادة إلى روح المدينة وهويتها الثقافية.
في الختام، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجو هذه الحرف اليدوية من الانقراض، أم أن التاريخ سيشهد نهاية فصل طويل من الصناعة التقليدية السورية؟ الإجابة قد تعتمد على دعم المجتمع المحلي، والمبادرات الحكومية، واستعداد الأجيال الجديدة لتحمل مسؤولية الحفاظ على إرث يمتد لمئات السنين، حيث تبقى كل قطعة جلد وكل دقة آلة شاهدة على عبقرية الإنسان السوري وصموده في وجه الزمن.