لم يعد قانون الأحزاب في سوريا مجرد تفصيل قانوني مؤجل ضمن ملفات المرحلة الانتقالية، بل بات سؤالاً سياسياً مركزياً يتعلق بشكل الدولة المقبلة وحدود التحول الديمقراطي الممكن بعد عقود من احتكار المجال العام. فالنقاش الدائر اليوم لا يتمحور فقط حول السماح بتأسيس الأحزاب، وإنما حول طبيعة النظام السياسي الذي ستنتجه هذه الأحزاب، وما إذا كانت سوريا تتجه فعلاً نحو تعددية حقيقية، أم نحو إعادة إنتاج الحزب المهيمن بأسماء وأدوات جديدة.
لقد ورثت المرحلة الانتقالية واقعاً شديد التعقيد: انهيار المنظومة الحزبية القديمة دون ولادة بديل مؤسساتي واضح، ووجود نشاط سياسي متزايد خارج أي إطار تشريعي منظم، في ظل غياب دستور دائم ومؤسسات مستقرة قادرة على ضبط قواعد المنافسة السياسية. هذا الفراغ لا يعني اتساع الحرية بالضرورة، بل قد يتحول إلى بيئة خصبة للفوضى أو لإعادة تشكيل النفوذ السياسي خارج أي معايير عادلة وشفافة.
المعضلة الأساسية هنا أن سوريا لا تبدأ من الصفر. فالتجربة السياسية السابقة تركت إرثاً ثقيلاً من انعدام الثقة بالحياة الحزبية نفسها، بعدما ارتبطت الأحزاب لعقود بوظيفة شكلية داخل منظومة يقودها حزب البعث عبر “الجبهة الوطنية التقدمية”، حيث كانت التعددية موجودة على الورق أكثر مما هي قائمة فعلياً في الواقع. ولهذا، فإن أي قانون جديد لا يُقاس فقط بما يتيحه من حريات، بل بمدى قدرته على منع تكرار التجربة ذاتها بصورة معدلة.
من هنا تبدو الدعوات إلى إصدار قانون أحزاب دائم في هذه المرحلة سابقة لأوانها. فالقوانين الدائمة تُبنى عادة على توافقات دستورية مستقرة، وعلى تعريف واضح لهوية الدولة وشكل النظام السياسي وآليات تداول السلطة، وهي شروط لم تنضج بعد في الحالة السورية. لذلك، تبدو فكرة “القانون الانتقالي المؤقت” أكثر واقعية وملاءمة، باعتباره أداة لتنظيم المجال السياسي مؤقتاً لا لتثبيت موازين القوى القائمة.
القانون المطلوب اليوم ليس قانوناً يصنع أحزاب سلطة جديدة، ولا قانوناً يفتح الباب لفوضى تنظيمية غير قابلة للضبط، بل إطاراً انتقالياً يؤسس لمنافسة سياسية تدريجية وعادلة. وهذا يقتضي اعتماد مبادئ أساسية واضحة: حرية تأسيس الأحزاب المدنية السلمية، حظر التنظيمات المسلحة، منع الأحزاب القائمة على الإقصاء الطائفي أو العرقي، وضمان الشفافية الكاملة في التمويل السياسي.
فالمال السياسي سيكون أحد أخطر أبواب التأثير في المرحلة المقبلة. وفي ظل هشاشة المؤسسات، قد تتحول مصادر التمويل غير المعلنة إلى وسيلة لإعادة رسم الخريطة السياسية بعيداً عن الإرادة الشعبية الحقيقية. لذلك لا يمكن الحديث عن تعددية فعلية دون رقابة صارمة على الإنفاق الانتخابي، ومنع استخدام موارد الدولة أو النفوذ الإداري لصالح أي حزب أو تيار.
وهنا تبرز النقطة الأكثر حساسية: العلاقة بين السلطة التنفيذية والعمل الحزبي. فالتقارير المتداولة حول احتمال تأسيس حزب قريب من السلطة أعادت إلى الواجهة المخاوف القديمة من ولادة “حزب دولة” جديد، حتى وإن اختلفت الأسماء والشعارات. المشكلة ليست في حق أي شخصية سياسية بتأسيس حزب، بل في غياب الضمانات التي تمنع استغلال أجهزة الدولة وإمكاناتها لصالح طرف سياسي بعينه.
أي تجربة انتقالية لا تضمن الفصل الواضح بين الدولة والحزب، ستجد نفسها سريعاً أمام إعادة إنتاج الاستبداد بشكل جديد. لذلك، فإن من الضروري أن يتضمن أي قانون مستقبلي نصوصاً صارمة تمنع استخدام المنصب التنفيذي أو الموارد العامة في النشاط الحزبي، مع إنشاء هيئة مستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية تتولى تسجيل الأحزاب والإشراف على عملها وتمويلها.
لكن الخطر المقابل لا يقل أهمية. فالانفتاح السياسي غير المنظم قد يقود أيضاً إلى تفتيت المجال العام وظهور عشرات الكيانات الهشة المبنية على الولاءات الضيقة والهويات الفرعية، لا على البرامج السياسية الوطنية. وهذا ما يجعل فكرة “التدرج” ضرورية في الحالة السورية؛ أي الانتقال التدريجي نحو التعددية، عبر مراحل قانونية ومؤسساتية مدروسة، بدلاً من القفز نحو نموذج غير ناضج قد ينتهي إلى الفوضى أو الانهيار.
في العمق، لا يتعلق مستقبل التعددية في سوريا بالنصوص القانونية وحدها، بل بالبيئة السياسية والاجتماعية التي ستعمل ضمنها هذه النصوص. فالقانون، مهما كان متقدماً، لن يصنع حياة حزبية حقيقية إذا بقيت السياسة أسيرة الانقسامات الهوياتية والطائفية، أو إذا ظلت الدولة عاجزة عن ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية.
لقد أهدرت سوريا سنوات طويلة كان يمكن خلالها بناء فضاء سياسي جديد بعد سقوط النظام القديم، لكن غياب التنظيم السياسي الفعّال سمح بصعود أشكال من الاصطفاف الديني والمناطقي على حساب العمل الحزبي المدني. واليوم، تبدو المهمة أكثر صعوبة، لكنها ليست مستحيلة، شرط أن يُفهم قانون الأحزاب بوصفه جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة، لا مجرد تشريع إداري لتنظيم التراخيص.
في النهاية، سيكون قانون الأحزاب أحد أهم الاختبارات الحقيقية للمرحلة الانتقالية السورية. فإما أن يشكل بداية لمسار ديمقراطي قائم على تكافؤ الفرص والتعددية الفعلية، وإما أن يتحول إلى أداة جديدة لإعادة احتكار السياسة تحت عناوين مختلفة. وبين هذين المسارين، ستتحدد ملامح سوريا المقبلة، لا فقط على مستوى النظام السياسي، بل على مستوى فكرة الدولة نفسها.