لكل السوريين

الورد الدمشقي.. ذهبٌ عطري يزاحم المحاصيل الزراعية في سوريا

من ريف دمشق إلى المحافظات السورية.. زراعة الورد الدمشقي تتحول إلى مورد اقتصادي واعد

السوري ـ ريف دمشق

لم يعد الورد الدمشقي مجرد رمز جمالي ارتبط باسم العاصمة السورية دمشق عبر مئات السنين، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى محصول اقتصادي منافس للعديد من الزراعات التقليدية في سوريا، بعدما شهدت زراعته توسعًا ملحوظًا في عدة محافظات، مدفوعًا بارتفاع الطلب على منتجاته العطرية والطبية والغذائية.

ويُعد الورد الدمشقي من أقدم أنواع الورود العطرية في العالم، ويحمل اسم دمشق التي اشتهرت بزراعته منذ العصور القديمة، قبل أن تنتقل زراعته إلى دول عديدة. إلا أن البيئة السورية ما تزال تُعتبر من أفضل البيئات المناسبة لإنتاجه بفضل المناخ المعتدل والتربة الخصبة في المناطق الجبلية والريفية.

انتشار الزراعة خارج دمشق

اشتهرت مناطق ريف دمشق، وخاصة قرى المراح والنبك ويبرود والزبداني، بزراعة الورد الدمشقي لعقود طويلة، لكن السنوات الأخيرة شهدت انتقال هذه الزراعة إلى محافظات أخرى مثل حمص وحماة واللاذقية وطرطوس والسويداء، إضافة إلى بعض المناطق الريفية في إدلب وريف حلب.

ويقول مزارعون إن الإقبال على زراعة الورد الدمشقي ازداد بسبب مردوده الاقتصادي المرتفع مقارنة بمحاصيل موسمية أخرى، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الزراعة التقليدية وتراجع إنتاج بعض المحاصيل نتيجة التغيرات المناخية وشح المياه.

موسم الزراعة والإنتاج

تبدأ زراعة شتلات الورد الدمشقي عادة خلال فصلي الخريف والشتاء، حيث تحتاج النبتة إلى تربة جيدة التصريف ومناخ بارد نسبيًا خلال فترة النمو الأولى. ويحتاج الورد إلى عناية مستمرة تشمل التقليم والري المنتظم ومكافحة الأعشاب الضارة.

أما موسم القطاف، فيبدأ غالبًا خلال شهري أيار وحزيران، حيث تتفتح الأزهار مع ساعات الفجر الأولى، وهي الفترة المثالية لقطف الورود للحفاظ على تركيز الزيوت العطرية داخلها.

ويحرص المزارعون على جمع الورود يدويًا في ساعات الصباح المبكرة قبل ارتفاع درجات الحرارة، ثم تُنقل مباشرة إلى معامل التقطير أو الورش المنزلية لاستخراج ماء الورد والزيوت العطرية.

طريقة الزراعة والعناية بالنبتة

يعتمد المزارعون في سوريا على أساليب تقليدية وحديثة في زراعة الورد الدمشقي، إذ تُزرع الشتلات على مسافات مدروسة تسمح بتهوية جيدة للنبات، فيما تُستخدم الأسمدة العضوية للحفاظ على جودة الإنتاج.

ويحتاج الورد الدمشقي إلى تقليم سنوي لتحفيز نمو الأغصان الجديدة وزيادة عدد الأزهار، كما تتطلب النبتة بيئة مشمسة نسبيًا مع درجات حرارة معتدلة.

وتتميز شجيرات الورد بإمكانية بقائها لسنوات طويلة في الأرض الزراعية، ما يجعلها استثمارًا مستدامًا للمزارعين مقارنة ببعض المحاصيل الموسمية التي تحتاج إلى إعادة زراعة سنوية.

صناعات متعددة وفرص اقتصادية

لا تقتصر أهمية الورد الدمشقي على إنتاج الزهور فقط، بل تدخل مكوناته في صناعات عديدة تشمل العطور ومستحضرات التجميل والصابون الطبيعي والحلويات التقليدية، إضافة إلى استخداماته الطبية والعلاجية.

ويُعتبر ماء الورد السوري من أشهر المنتجات المرتبطة بهذه الزراعة، إلى جانب زيت الورد الذي يُعد من أغلى الزيوت العطرية في العالم بسبب الكميات الكبيرة من الورود المطلوبة لاستخلاص كميات صغيرة منه.

كما ساهمت زراعة الورد في خلق فرص عمل موسمية للعائلات الريفية، خاصة خلال فترة القطاف والتقطير، حيث تتحول بعض القرى السورية إلى ورش عمل مفتوحة لإنتاج ماء الورد وتجفيف الأزهار.

تحديات تواجه المزارعين

ورغم التوسع الملحوظ في زراعة الورد الدمشقي، يواجه المزارعون عدة تحديات أبرزها ارتفاع تكاليف النقل والمحروقات، إضافة إلى صعوبات التسويق والتصدير في بعض الأحيان.

كما يشير مختصون إلى أن غياب الدعم الزراعي الكافي وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج يشكلان عائقًا أمام توسيع هذه الزراعة بالشكل المطلوب، رغم ما تحمله من فرص اقتصادية مهمة.

الورد الدمشقي.. هوية سورية متجددة

ويرى مراقبون أن عودة الاهتمام بزراعة الورد الدمشقي تمثل محاولة للحفاظ على جزء من الهوية الزراعية والتراثية السورية، خاصة أن هذا النوع من الورد ارتبط تاريخيًا باسم سوريا ودمشق في الأسواق العالمية.

ومع استمرار التوسع في زراعته، يأمل المزارعون أن تتحول سوريا مجددًا إلى مركز رئيسي لإنتاج وتصدير الورد الدمشقي ومنتجاته، بما يساهم في دعم الاقتصاد المحلي وإنعاش القطاع الزراعي في الريف السوري.

- Advertisement -

- Advertisement -