لكل السوريين

من العقوبة الجماعية إلى محاسبة المشاغبين.. «سامح» يختبر قدرة السلة السورية على ضبط المدرجات

تطبيق إلكتروني جديد لتنظيم دخول الجماهير وتحديد المخالفين.. فهل تنجح التكنولوجيا في إعادة الروح إلى الصالات؟

لم تعد مشكلة كرة السلة السورية داخل أرض الملعب وحدها، فخارج الخطوط أيضاً باتت المدرجات جزءاً من المشهد الذي يفرض نفسه على كل مباراة. هتافات متوترة، تجاوزات متكررة، وعقوبات طالت في بعض الحالات جماهير أندية كاملة، لتتحول المدرجات من مساحة للتشجيع إلى أحد أبرز التحديات التنظيمية أمام الاتحاد السوري لكرة السلة.

وخلال السنوات الماضية، تكررت حوادث الشغب والمخالفات في عدد من الصالات، ما دفع الجهات الرياضية إلى اتخاذ إجراءات تراوحت بين الغرامات المالية وحرمان الجماهير من حضور المباريات، وصولاً إلى إحالة بعض المشجعين إلى الجهات المختصة.

لكن الاتحاد العربي السوري لكرة السلة يحاول هذه المرة تغيير المعادلة، ليس عبر تشديد العقوبات فقط، وإنما باستخدام التكنولوجيا للوصول إلى المخالف نفسه.

وخلال مؤتمر صحفي عقده الاتحاد في مدينة الفيحاء الرياضية نهاية تموز الماضي، كُشف عن مشروع تطبيق إلكتروني يحمل اسم «سامح»، بوصفه أحد المشاريع الجديدة التي تستهدف إعادة تنظيم العلاقة بين الأندية والجماهير والاتحاد، خصوصاً فيما يتعلق بدخول الصالات ومتابعة المخالفات.

البحث عن المخالف بدل معاقبة المدرج

الفكرة الأساسية للتطبيق تقوم على الانتقال من العقوبة الجماعية إلى تحديد المسؤولية الفردية. فبدلاً من حرمان آلاف المشجعين من حضور مباراة بسبب تصرفات عدد محدود منهم، يسعى المشروع إلى امتلاك آلية تسمح بالتعرف إلى المشجع المخالف واتخاذ الإجراء بحقه.

رئيس الاتحاد العربي السوري لكرة السلة رامي عيسى أشار إلى أن الاتحاد دخل في حوار مع روابط المشجعين للاستماع إلى مطالبها ومقترحاتها، في محاولة لمعالجة المشكلات التي ترافق المباريات من جذورها، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

وبحسب القائمين على المشروع، فإن «سامح» يمكن أن يمثل أداة إضافية لضبط المدرجات، خصوصاً في المباريات التي تشهد حضوراً جماهيرياً كبيراً، حيث تصبح مهمة التعرف إلى المتسببين بالمخالفات أكثر صعوبة بالوسائل التقليدية.

ستة أشهر لبناء المنظومة

ولا يبدو المشروع مجرد تطبيق لحجز التذاكر، إذ يتضمن خطة تقنية وتنظيمية تمتد لنحو ستة أشهر، تبدأ بمرحلة الاختبارات، قبل الانتقال إلى نسخة أولية من التطبيق، ثم توسيع الخدمات تدريجياً.

ومن بين أبرز المراحل المطروحة تنظيم دخول المشجعين باستخدام رموز QR، بما يسمح بتسهيل عملية الدخول وربط بيانات التذاكر بهوية حاملها، مع إمكانية استخدام النظام دون الحاجة إلى اتصال مباشر بالإنترنت أثناء الدخول.

وتتضمن الخطة أيضاً الانتقال لاحقاً إلى بيع التذاكر إلكترونياً، سواء من خلال التطبيق نفسه أو عبر وكلاء معتمدين في المحافظات، في محاولة لمعالجة واحدة من المشكلات التي ترافق المباريات، وهي الفوضى التي قد تنتج عن البيع غير المنظم وظهور السوق السوداء.

التطبيق إلزامي.. ولكن بعد التجربة

بحسب مسؤولي الاتحاد، من المقرر أن يصبح استخدام التطبيق إلزامياً للجماهير بعد إطلاقه، على أن تبدأ التجربة بمرحلة اختبارية تمتد لشهرين، يجري خلالها تقييم قدرة النظام على تحقيق أهدافه.

ويشير الاتحاد إلى أن عملية التقييم لن تقتصر على الجانب التقني، بل ستشمل مدى مساهمة التطبيق في تنظيم حركة الجماهير، وتقليل المخالفات، وتحسين تجربة حضور المباريات داخل الصالات.

وتبرز هنا مسألة حساسة تتمثل في آلية التعامل مع بيانات المشجعين، خصوصاً في ظل الحديث عن مطابقة الصور للمساعدة في تحديد المخالفين. وهو ملف يحتاج إلى ضوابط واضحة تحدد كيفية جمع البيانات واستخدامها وحمايتها، بما يضمن ألا يتحول التنظيم الرقمي إلى مصدر جديد للإشكالات.

هل تنتهي السوق السوداء؟

إلى جانب الشغب، يضع الاتحاد مشكلة بيع التذاكر ضمن الملفات التي يحاول المشروع معالجتها، مع دراسة إمكانية اعتماد وكلاء رسميين للبيع في المحافظات.

وفي حال تطبيق هذه الخطوة بصورة فعالة، يمكن أن تساهم في تقليل فرص التلاعب بأسعار التذاكر أو احتكارها، خصوصاً في المباريات الجماهيرية التي يرتفع فيها الطلب.

لكن نجاح هذه الآلية سيبقى مرتبطاً بقدرة الاتحاد على بناء شبكة بيع موثوقة، وتوفير التذاكر بصورة كافية، وضمان سهولة وصول المشجع إليها، لا بمجرد إطلاق منصة إلكترونية.

التكنولوجيا وحدها لا تكفي

ورغم الآمال الكبيرة التي يضعها الاتحاد في «سامح»، فإن التطبيق لن يكون حلاً سحرياً لمشكلة عمرها سنوات.

فالحد من الشغب يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من تنظيم الدخول والتفتيش، مروراً بوجود كوادر مدربة داخل الصالات، ووضع قواعد واضحة للسلوك الجماهيري، وصولاً إلى تطبيق العقوبات بصورة عادلة ومتدرجة.

كما أن نجاح التجربة سيتوقف على ثقة الجمهور بها. فالمشجع الذي يشعر بأن النظام يستهدفه أو يجمع بياناته من دون ضوابط واضحة قد يكون أقل استعداداً للتفاعل معه، بينما يحتاج الاتحاد إلى إقناع الجمهور بأن الهدف الأساسي هو حماية حق المشجع الملتزم في حضور المباراة، وليس التضييق عليه.

اختبار جديد للاتحاد والجمهور

يمثل «سامح» محاولة لنقل إدارة الجماهير في كرة السلة السورية من الأسلوب التقليدي إلى نموذج أكثر اعتماداً على البيانات والتقنيات الرقمية. وإذا نجح المشروع، فقد يتيح للاتحاد معاقبة المتسبب الحقيقي بالمخالفة بدلاً من تحميل المدرج بأكمله مسؤولية تصرف فردي.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون عند إطلاق التطبيق، بل بعد أشهر من استخدامه: هل ستتراجع حالات الشغب؟ هل ستختفي العقوبات الجماعية؟ وهل تصبح عملية شراء التذاكر والدخول إلى الصالات أكثر سهولة وعدالة؟

أسئلة ستجيب عنها التجربة على أرض الواقع، إذ إن نجاح «سامح» لن يقاس بعدد مرات تحميله أو بعدد التذاكر المباعة من خلاله، وإنما بقدرته على إعادة تعريف المدرجات السورية كمساحة للتشجيع والمنافسة، لا ساحة للعقوبة والفوضى.

وفي النهاية، قد تكون التكنولوجيا قادرة على تحديد المشاغب، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة جمهور رياضي. فالمعادلة تحتاج إلى اتحاد يطبق القانون بعدالة، وأندية تتحمل مسؤوليتها، وروابط جماهيرية أكثر تنظيماً، ومشجع يدرك أن تشجيع فريقه لا يعني تجاوز حدود الملعب.

- Advertisement -

- Advertisement -