بعد نحو سبع سنوات من النزوح، عادت مئات العائلات من أهالي رأس العين (سري كانيه) إلى مدينتهم، في خطوة تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية تتجاوز مجرد الانتقال من مكان إلى آخر، لكنها بدأت في الوقت نفسه وسط تحديات أمنية واحتجاجات طالبت بحماية العائدين وضمان حقوقهم في منازلهم وممتلكاتهم.
وانطلقت، اليوم الاثنين 10 آب، أولى قوافل العودة من مدينة الحسكة باتجاه رأس العين، وضمت نحو 400 إلى 410 عائلات من سكان المدينة وريفها، فيما كان من المقرر أن تشمل القافلة الأولى عددًا أكبر من العائلات، قبل أن تحول تحديات لوجستية دون مشاركة الجميع.
وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات طويلة أمضتها عائلات من رأس العين في ظروف النزوح، بينها عائلات أقامت في مخيمي «توينة» و«الطلائع» في محيط الحسكة، منذ موجة النزوح التي أعقبت المعارك التي شهدتها المنطقة في تشرين الأول 2019.
عودة طال انتظارها
بالنسبة إلى العائلات العائدة، لا تمثل العودة مجرد مغادرة للمخيمات، بل محاولة لاستعادة حياة انقطعت لسنوات.
وخلال الأيام الماضية، بدأت الأسر استعداداتها لمغادرة أماكن النزوح، فجمعت ما تبقى لديها من أثاث وأغراض شخصية، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الفرح بالقلق من المجهول، خصوصًا لدى الأسر التي لا تعرف أوضاع منازلها وأراضيها بعد سنوات من الغياب.
ويقول عائدون إن العودة إلى المدينة تحمل بالنسبة إليهم معنى استعادة المكان والذاكرة والحياة الأسرية التي تشتتت بفعل النزوح، مع آمال بأن تكون هذه الخطوة بداية لاستقرار طويل الأمد، لا مجرد عودة مؤقتة.
لكن الطريق إلى الاستقرار لا يبدو سهلًا، إذ تواجه الأسر ملفات متعددة تبدأ من الأمن والسكن، ولا تنتهي عند الخدمات وفرص العمل واستعادة الممتلكات.
احتجاجات بعد الاعتداء على عائدين
ولم تخلُ الساعات الأولى من العودة من توتر، إذ شهدت مدن قامشلو والحسكة وتل تمر احتجاجات وبيانات تندد بما قيل إنها اعتداءات تعرض لها عدد من أفراد القافلة العائدة بعد وصولها إلى رأس العين.
وطالب المحتجون الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها، وتأمين الحماية للعائلات العائدة، ومحاسبة المتورطين في الاعتداءات، إلى جانب ضمان حق المهجرين في العودة إلى منازلهم ومناطقهم بصورة آمنة وكريمة.
وجاءت الاحتجاجات عقب تعرض عدد من العائدين، وفق ما أفادت به الجهات المنظمة للاحتجاجات، لاعتداءات من أشخاص قيل إنهم يشغلون بعض المنازل التي تعود ملكيتها إلى عائلات مهجرة.
ودعت لجنة مهجري رأس العين الأهالي إلى الاحتجاج، مطالبة بضمان الأمن للعائدين، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، والعمل على توفير ظروف تضمن عودة مستدامة لجميع المهجرين إلى مناطقهم الأصلية.
وتضع هذه التطورات ملف الحماية الأمنية للعائدين في صدارة التحديات التي تواجه عملية العودة، خصوصًا أن نجاحها لا يقاس بعدد الأسر التي تصل إلى المدينة، وإنما بقدرتها على البقاء فيها بأمان واستعادة حياتها الطبيعية.
الممتلكات.. الاختبار الأصعب
من أبرز الملفات التي تنتظر العائلات العائدة قضية المنازل والأراضي.
فخلال سنوات النزوح، تغيرت أوضاع عدد من الممتلكات، فيما تعرضت منازل أخرى للدمار الجزئي أو الكامل، بينما يشغل بعضها أشخاص آخرون.
وتشير شهادات من العائدين إلى أن بعض الأسر لم تتمكن حتى الآن من معرفة الوضع النهائي لمنازلها وأراضيها، الأمر الذي يجعل العودة مرتبطة بشكل مباشر بقدرة الجهات الحكومية على معالجة هذه الملفات وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
وتزداد أهمية هذه القضية في ريف رأس العين، حيث تعتمد عائلات كثيرة على الزراعة كمصدر أساسي للدخل. وبالتالي فإن استعادة الأرض بالنسبة لهذه الأسر لا تعني استعادة ملكية فحسب، بل تعني أيضًا استعادة مصدر الرزق والقدرة على بناء حياة مستقرة.
وكانت جهات مسؤولة عن تنظيم العودة قد تحدثت عن تعهدات بإخلاء المنازل التي يشغلها آخرون، تمهيدًا لإعادتها إلى أصحابها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى: هل تستطيع هذه التعهدات أن تتحول سريعًا إلى إجراءات عملية على الأرض؟
جيل كامل نشأ بعيدًا عن المدينة
لم تقتصر آثار النزوح على خسارة المنازل ومصادر الدخل، بل امتدت إلى جيل كامل من الأطفال الذين نشأ قسم منهم في المخيمات.
فأطفال كانوا في سن مبكرة عند مغادرة عائلاتهم رأس العين باتوا اليوم في سن المدرسة أو المراهقة، وبعضهم لم يعش في المدينة أصلًا، وبقيت معرفته بها مرتبطة بذاكرة الآباء ورواياتهم.
وتشكل عودة هذه الأسر فرصة لإعادة بناء الحياة الاجتماعية والتعليمية للأطفال، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات جديدة، من بينها تأمين المدارس والخدمات الأساسية والرعاية الصحية، إلى جانب إعادة دمج الأطفال في بيئة اجتماعية مختلفة عن تلك التي اعتادوا عليها خلال سنوات النزوح.
من المخيم إلى المدينة.. هل تبدأ مرحلة جديدة؟
تصف عائلات عائدة سنوات المخيمات بأنها من أصعب مراحل حياتها، خصوصًا مع طول فترة النزوح وتراكم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
وبالنسبة إلى كثير من الأسر، فإن العودة تمثل حلمًا طال انتظاره، لكنها لا تعني انتهاء آثار النزوح بصورة تلقائية.
فالأسرة التي تعود إلى منزل متضرر تحتاج إلى ترميمه، ومن فقد مصدر دخله يحتاج إلى عمل، ومن لم يستعد أرضه يحتاج إلى حل قانوني وإداري، فيما تحتاج جميع الأسر إلى خدمات أساسية وبنية تحتية تسمح لها بالبقاء.
ولهذا فإن نجاح العودة سيبقى مرتبطًا بما سيحدث بعد وصول القوافل، وليس بما حدث في يوم العودة فقط.
قوافل جديدة وخطة لعودة أوسع
وبحسب الجهات المنظمة للعملية، فإن القافلة الأولى تشكل بداية لخطة أوسع لإعادة سكان رأس العين المهجرين من الحسكة ومخيماتها، مع توقعات بتسيير دفعات جديدة خلال الفترة المقبلة.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن عدد العائلات التي يفترض أن تعود ضمن المرحلة الحالية قد يصل إلى نحو 610 عائلات، على أن تستمر العملية على مراحل خلال الأسابيع المقبلة.
وتقول لجنة مهجري رأس العين إن الهدف النهائي يتمثل في إعادة جميع المهجرين إلى مناطقهم، بعد تهيئة الظروف الأمنية واللوجستية اللازمة لذلك.
عودة السكان أم اختبار للدولة؟
تحمل عودة أهالي رأس العين بعد سبع سنوات من النزوح رسالة إنسانية وسياسية في آن واحد، لكنها تضع الحكومة والجهات المحلية أمام اختبار حقيقي.
فالعودة الآمنة لا تعني فتح الطريق أمام القوافل فقط، وإنما تتطلب حماية السكان، وتأمين المنازل، وتسوية قضايا الملكية، وإعادة الخدمات، وخلق ظروف اقتصادية تسمح للعائلات بالبقاء.
وبين فرحة الأهالي بالعودة ومخاوفهم من الاعتداءات أو فقدان الممتلكات، تبدو رأس العين أمام مرحلة جديدة سيكون عنوانها الأبرز: هل تتحول العودة من حدث إنساني مؤقت إلى استقرار دائم يعيد للمهجرين حقوقهم وحياتهم التي فقدوها قبل سبع سنوات؟
فالاختبار الحقيقي لعملية العودة لن يكون في عدد الحافلات التي تدخل المدينة، بل في عدد العائلات التي تستطيع أن تبقى فيها، وتستعيد منزلها وأرضها ومصدر رزقها، وتعيد بناء حياة طبيعية وآمنة.