لكل السوريين

اللاذقية تزيل إشغالات الأرصفة.. أين البديل لأصحاب البسطات والعربات؟

دخلت حملة إزالة الإشغالات المخالفة عن أرصفة مدينة اللاذقية مرحلة التنفيذ، عقب انتهاء المهلة التي حددها مجلس المدينة بـ48 ساعة لإزالة المخالفات، في خطوة قال المجلس إنها تستهدف إعادة تنظيم الأرصفة وفتحها أمام حركة المشاة، إلا أن الإجراءات فتحت في المقابل نقاشاً اجتماعياً حول مصير أصحاب البسطات والعربات الجوالة الذين يعتمد كثير منهم على هذه الأعمال لتأمين دخلهم اليومي.

وبدأ مجلس مدينة اللاذقية إزالة عدد من مظاهر الإشغال التي تعيق حركة المارة، بينها دواليب السيارات وأصص الزهور والبسطات والعربات التي تشغل أجزاء من الأرصفة وتتسبب، بحسب المجلس، في تضييق المساحات المخصصة للمشاة والتعدي على الملك العام.

وأوضح المكتب الصحفي للمجلس أن الإجراءات لم تقتصر على إزالة الإشغالات، بل شملت أيضاً تنظيم الضبوط واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين وفق الأنظمة النافذة، إلى جانب توجيه إنذارات لمنع عودة المخالفات إلى المواقع التي جرى إخلاؤها.

تنظيم الأرصفة أم إغلاق أبواب الرزق؟

وبينما يرى مؤيدو الحملة أن الرصيف حق للمشاة، وأن انتشار البسطات والعربات بشكل عشوائي تسبب في ازدحام وصعوبات أمام كبار السن والأطفال وذوي الإعاقة، يرى أصحاب البسطات والعربات الجوالة أن إزالة مصادر رزقهم من دون توفير بدائل واضحة قد تدفعهم إلى مواجهة ظروف معيشية أكثر صعوبة.

ويقول أصحاب هذه المهن إن معظمهم لا يملك محلاً تجارياً أو رأس مال يسمح له باستئجار مساحة نظامية، وإن العربة أو البسطة تمثل بالنسبة إليهم وسيلة العمل الوحيدة المتاحة لتأمين احتياجات أسرهم. ويخشى هؤلاء أن تتحول الضبوط والغرامات ومصادرة أدوات العمل إلى عبء إضافي على أشخاص يعيشون أصلاً من دخل يومي محدود.

وتبرز هنا قضية البديل باعتبارها الجزء الأكثر حساسية في الحملة، إذ لا يتوقف النقاش عند حق البلدية في تنظيم الملك العام، وإنما يمتد إلى السؤال عن الطريقة التي يمكن من خلالها تنظيم هذه الأنشطة من دون دفع أصحابها إلى البطالة.

أصحاب العربات: نريد مكاناً لا مخالفة

وتتمثل إحدى المطالب المطروحة من أصحاب البسطات والعربات في تخصيص أماكن محددة يمكنهم العمل فيها بصورة منظمة، بعيداً عن الأرصفة والممرات الرئيسية، مع وضع شروط واضحة تتعلق بالنظافة والمساحة ونوع النشاط وساعات العمل.

ويطرح بعض أصحاب المهن المتنقلة فكرة إنشاء أسواق شعبية أو نقاط بيع منظمة، تسمح للبلدية بضبط النشاط التجاري وتحقيق انسيابية في حركة المشاة، وفي الوقت نفسه تمنح أصحاب البسطات مساحة قانونية لممارسة أعمالهم بدلاً من ملاحقتهم من شارع إلى آخر.

كما يطالب أصحاب عربات البيع بإجراءات أكثر وضوحاً بشأن التراخيص والرسوم والغرامات، بحيث يعرف العامل مسبقاً الأماكن المسموح له بالعمل فيها والالتزامات المطلوبة منه، بدلاً من بقاء وضعه مرتبطاً بقرارات مؤقتة أو حملات إزالة متكررة.

الشارع بين حق المشاة وحق العمل

وفي الشارع اللاذقاني، يبدو الانقسام واضحاً بين من يعتبر إزالة الإشغالات خطوة ضرورية لاستعادة الأرصفة وتنظيم المدينة، وبين من يرى أن معالجة المشكلة يجب ألا تنتهي عند إزالة البسطات، بل ينبغي أن تترافق مع حلول اقتصادية واجتماعية لأصحابها.

ويؤكد مؤيدو الإجراءات أن انتشار الإشغالات لا يؤثر فقط في المظهر العام، بل يمكن أن يجبر المشاة على النزول إلى الشوارع، ما يزيد من مخاطر الحوادث ويعطل حركة المرور في بعض المناطق المكتظة. في المقابل، يرى الرافضون لطريقة التنفيذ أن تحميل أصحاب الدخول المحدودة مسؤولية ظاهرة أكبر من قدرتهم، من دون توفير بدائل، لا يعالج جذور المشكلة.

ولا تبدو المعادلة سهلة بالنسبة إلى مجلس المدينة؛ فترك الأرصفة من دون تنظيم يعني استمرار التعدي على الملك العام، بينما إزالة البسطات والعربات بصورة شاملة من دون خطة بديلة قد تعني فقدان عشرات الأسر لمصدر دخلها.

البديل قبل المخالفة

وبين الموقفين، تبدو الحاجة إلى مقاربة تجمع بين التنظيم والحماية الاجتماعية أكثر إلحاحاً، عبر تحديد مواقع مخصصة للبيع الشعبي، ووضع آلية مبسطة للحصول على تراخيص مؤقتة، وإعطاء الأولوية لأصحاب المهن الذين لا يملكون مصادر دخل أخرى، بالتوازي مع منع الإشغال في الممرات الحيوية والمناطق التي تعيق حركة المشاة.

كما يمكن أن تشكل الأسواق الشعبية المنظمة مساحة وسطى بين الفوضى والمنع الكامل، بحيث تتحول البسطات من مشكلة في الأرصفة إلى نشاط اقتصادي منظم يمكن مراقبته وضبطه.

وتبقى حملة اللاذقية أمام اختبار يتجاوز إزالة المخالفات الحالية؛ فنجاحها لا يقاس فقط بعدد الأرصفة التي جرى إخلاؤها، وإنما أيضاً بقدرة الجهات المعنية على منع عودة الإشغالات من خلال معالجة أسبابها الاقتصادية، وفي مقدمتها غياب المساحات المخصصة للبيع وارتفاع كلفة المحال التجارية.

وبين حق المدينة في رصيف منظم وحق المواطن في العمل، يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه أصحاب البسطات والعربات الجوالة: إذا كان الرصيف ليس مكاناً للعمل، فأين هو المكان البديل الذي يمكن أن نعمل فيه؟

- Advertisement -

- Advertisement -