لكل السوريين

هرمز على طاولة التفاوض.. هل يتحول شريان الطاقة من ورقة حرب إلى بوابة للتهدئة؟

لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة ساخنة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل بدأ يتحول إلى ورقة أساسية في البحث عن مخرج سياسي للحرب، بعدما دخلت حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى صلب المفاوضات الجارية في نيويورك بين الطرفين.

وبحسب ما أوردته وكالة رويترز، يجري بحث صيغة تقوم على ربط إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة بخطوات أميركية لتخفيف الحصار والضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران، في إطار تفاهم مرحلي يقوم على تبادل التنازلات بدلاً من انتظار اتفاق شامل دفعة واحدة.

وتكتسب هذه الصيغة أهميتها من كونها تجمع أبرز أوراق الضغط التي يمتلكها الطرفان. فطهران تستطيع التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق الذي تمر من خلاله نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، فيما تمتلك واشنطن أدوات مالية واقتصادية واسعة يمكن استخدامها للضغط على الاقتصاد الإيراني.

وتقول رويترز إن مسؤولين إيرانيين وأميركيين، إلى جانب مصادر قريبة من المحادثات، يناقشون ترتيبات مرحلية يمكن أن يصبح فيها فتح هرمز جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى وقف الحرب. وكان مسؤول إيراني كبير قد أبلغ الوكالة بأن بلاده مستعدة لإعادة فتح المضيق خلال أسبوع في حال خففت الولايات المتحدة ضغطها العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية، مشيراً إلى أن المقترح الإيراني نُقل إلى واشنطن عبر وسطاء في 16 سبتمبر.

غير أن الوصول إلى اتفاق عملي لا يبدو مهمة سهلة، إذ تتجاوز المفاوضات مسألة فتح الممر البحري إلى أزمة الثقة بين الطرفين، وسؤال أكثر حساسية يتعلق بتوقيت تنفيذ الالتزامات. فكل طرف يريد الاحتفاظ بأوراق الضغط التي يمتلكها، ويخشى أن يؤدي تقديم تنازل مبكر إلى فقدان جزء من قدرته على إجبار الطرف الآخر على تنفيذ التزاماته.

معادلة «من يبدأ أولاً؟»

تبدو العقدة الرئيسية في المفاوضات مرتبطة بترتيب الخطوات أكثر من ارتباطها بفكرة المقايضة نفسها. فإذا فتحت إيران المضيق أولاً، ما الضمانة التي تحصل عليها مقابل ذلك؟ وإذا رفعت واشنطن جزءاً من العقوبات أو الحصار قبل استعادة حركة الملاحة، فما الذي يضمن التزام طهران بالخطوة المقابلة؟

ولهذا تبرز الضمانات وآليات التحقق كعنصر أساسي في أي تفاهم محتمل، خصوصاً أن انهيار اتفاق جزئي بعد تنفيذ طرف واحد التزاماته قد يعيد الأزمة إلى نقطة أكثر توتراً.

وتظهر أهمية المضيق من حجم التراجع الذي أصاب حركة الملاحة خلال الحرب. ووفق بيانات نقلتها رويترز، لم تعبر سوى سفينتين تجاريتين المضيق في أحد أيام الأسبوع الحالي، مقارنة بمتوسط سابق للحرب كان يقترب من 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً.

ولا تقتصر أهمية هرمز على حركة السفن، إذ يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبره قضية تتجاوز حدود المواجهة الأميركية الإيرانية لتنعكس على أسواق الطاقة وأسعارها والاقتصادات التي تعتمد على الواردات النفطية.

الخليج يريد الملاحة.. ويخشى ما بعدها

ولا تقف دول الخليج خارج هذه المعادلة. فقد أبلغ قادة خليجيون الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال وجوده في نيويورك، رغبتهم في استعادة حركة الشحن عبر المضيق وإنهاء حالة التصعيد، مع إبداء مخاوف في الوقت نفسه من أن تؤدي أي تسوية إلى زيادة النفوذ الإيراني على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل وجود قواعد عسكرية أميركية في عدد من دول الخليج، وتعرض بعضها لهجمات خلال الحرب، ما يجعل أي ترتيبات جديدة حول هرمز مرتبطة أيضاً بالملف الأمني الإقليمي، وليس فقط بعودة السفن التجارية إلى مسارها الطبيعي.

وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن المطلوب لا يبدو مجرد فتح مؤقت للمضيق، بل ضمان حرية الملاحة بصورة مستقرة وقابلة للاستمرار. ففتح الممر لفترة قصيرة ضمن اتفاق قابل للانهيار عند أول خلاف بين واشنطن وطهران لن ينهي المخاوف المرتبطة بأمن التجارة والطاقة.

بين الضغط والتفاوض

في الجانب الأميركي، تتداخل حسابات التفاوض مع استمرار سياسة الضغط على طهران. وكان ترامب قد تحدث خلال الأيام الماضية عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، في وقت تستمر فيه واشنطن باستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري.

هذا التداخل يجعل المسار التفاوضي محفوفاً بالحسابات؛ فالإدارة الأميركية تريد الحفاظ على أوراق الضغط، بينما تحتاج في الوقت ذاته إلى صيغة تسمح بإعادة حركة الملاحة وإنهاء حالة عدم الاستقرار التي أحدثتها الحرب في سوق الطاقة والتجارة الدولية.

ومن الجانب الإيراني، يمثل هرمز ورقة تفاوضية تتجاوز بعدها العسكري، لأنه يمنح طهران إمكانية ربط ملف الملاحة بملفات اقتصادية وسياسية أوسع. ولذلك فإن فتح المضيق قد لا يكون في الحسابات الإيرانية مجرد إجراء بحري، بل جزءاً من صفقة محتملة تتضمن تخفيف الضغوط الاقتصادية والحصار على الموانئ.

من ساحة مواجهة إلى بوابة تفاوض

المفاوضات الجارية تضع هرمز أمام مسارين متناقضين: إما أن يبقى المضيق إحدى أدوات التصعيد، وإما أن يتحول إلى نقطة انطلاق لتفاهم تدريجي بين واشنطن وطهران.

والفارق بين المسارين لن تحدده فقط رغبة الطرفين في إنهاء الحرب، بل قدرتهما على بناء آلية متزامنة لتنفيذ التعهدات، بحيث لا يضطر أي طرف إلى التخلي عن ورقة ضغطه من دون الحصول على مقابل واضح وقابل للتحقق.

وبذلك، فإن السؤال المطروح في نيويورك لا يتعلق فقط بموعد إعادة فتح مضيق هرمز، وإنما بطبيعة الصفقة التي يمكن أن ترافق هذه الخطوة: ماذا ستقدم إيران مقابل فتح الممر؟ وماذا ستقدم الولايات المتحدة في المقابل؟ والأهم، ما الضمانات التي ستمنع عودة التصعيد بعد تنفيذ الخطوات الأولى؟

إذا نجحت واشنطن وطهران في تحويل هذه المعادلة إلى إجراءات متزامنة وقابلة للتحقق، فقد ينتقل مضيق هرمز من كونه إحدى أبرز أوراق الحرب إلى إحدى بوابات الخروج منها. أما إذا بقيت مسألة «من يبدأ أولاً» عالقة، فقد تستمر المفاوضات في إدارة الأزمة من دون الوصول إلى إنهائها، فيما يبقى واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم رهينة للصراع بين الطرفين.

- Advertisement -

- Advertisement -