لكل السوريين

سوريا بلا وظائف.. اقتصاد يتعافى على الورق وشباب يبحثون عن طريق للخروج

البطالة تتحول من أزمة اقتصادية إلى أزمة اجتماعية.. فهل تستطيع مرحلة التعافي خلق عملٍ حقيقي أم أن السوريين سيواصلون البحث عن فرصهم خارج البلاد؟

لا تبدو البطالة في سوريا اليوم مجرد رقم يضاف إلى تقارير الاقتصاد، بل أصبحت واحدة من أكثر الأزمات التصاقاً بالحياة اليومية للسوريين. فخلف كل شاب بلا عمل، وأسرة تنتظر دخلاً لا يأتي، وخريج يحمل شهادته من دون أن يجد مكاناً في سوق العمل، تتشكل أزمة اجتماعية تتجاوز حدود الاقتصاد لتصل إلى الفقر والاستقرار الأسري والهجرة وحتى الصحة النفسية.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع غياب أرقام حديثة وشاملة قادرة على رسم صورة دقيقة لسوق العمل السوري. ووفق تقديرات البنك الدولي المبنية على بيانات منظمة العمل الدولية، بلغ معدل البطالة في سوريا 13.6% عام 2025، فيما تشير بيانات أخرى إلى معدلات أعلى بكثير بحسب الفئة والمنطقة وطريقة القياس. وتؤكد جهات دولية أن بيانات سوق العمل السورية لا تزال محدودة وقديمة نسبياً، الأمر الذي يجعل التعامل مع أرقام البطالة بحاجة إلى قدر من الحذر.

لكن الأرقام، مهما اختلفت، لا تعكس وحدها حجم المشكلة. فالسوق السورية لا تعاني فقط من نقص الوظائف، وإنما من نقص الوظائف المستقرة واللائقة. وتكشف بيانات حديثة عن سوق عمل هش، مع انتشار واسع للعمل غير الرسمي والعمل اليومي، في وقت لا تزال فيه فرص العمل النظامية محدودة. ووفق دراسة أوردتها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، أفاد نحو 30% من الأشخاص في سن العمل الذين شملتهم دراسة حديثة بأنهم بلا عمل، بينما لم تتجاوز نسبة من لديهم وظائف رسمية 6 إلى 7%.

الشهادة وحدها لا تكفي

أمام هذا الواقع، يجد آلاف الخريجين أنفسهم أمام مفارقة قاسية: سنوات من الدراسة لا تقود بالضرورة إلى وظيفة، والوظيفة المتاحة لا تعني بالضرورة دخلاً يكفي للعيش.

وهنا تتحول البطالة من مشكلة اقتصادية إلى أزمة ثقة بالمستقبل. فالشاب الذي لا يجد فرصة بعد سنوات من التعليم قد يبدأ بتغيير اختصاصه، أو قبول أعمال لا تتناسب مع مؤهلاته، أو الانتقال إلى العمل اليومي، بينما يختار آخرون الطريق الأكثر قسوة: مغادرة البلاد.

ولا تقتصر المشكلة على الشباب حديثي التخرج. فحتى أصحاب الخبرات والمهارات يواجهون سوقاً محدودة القدرة على استيعابهم، وهو ما يهدد بفقدان الاقتصاد جزءاً من رأس ماله البشري في الوقت الذي يحتاج فيه إلى الكفاءات لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية.

الهجرة ليست دائماً خياراً

عندما يغادر الشاب السوري بحثاً عن عمل، لا يمكن اختزال الأمر في قرار فردي. فالهجرة الاقتصادية غالباً ما تبدأ عندما يفشل السوق المحلي في تقديم الحد الأدنى من الاستقرار المهني والمعيشي.

وتكشف دراسة حديثة لمنظمة العمل الدولية حول مهارات السوريين العائدين أن أكثر من 80% من المشاركين في مسح شمل 5335 شخصاً في أربع محافظات كانوا عاطلين عن العمل وقت إجراء الدراسة، رغم امتلاك كثير منهم خبرات عمل سابقة، بما فيها خبرات اكتسبوها خارج سوريا.

وهذه النتيجة تطرح سؤالاً صعباً أمام مرحلة التعافي: ماذا يحدث عندما يعود أصحاب الخبرات إلى بلدهم ولا يجدون مكاناً في سوق العمل؟ وهل تكفي عودة الإنسان جغرافياً إذا لم يجد فرصة تعيده فعلياً إلى الدورة الاقتصادية؟

التعافي يحتاج إلى وظائف لا إلى مؤشرات فقط

تتحدث المؤسسات الاقتصادية عن التعافي وإعادة تنشيط قطاعات مختلفة، لكن الاختبار الحقيقي لأي تعافٍ اقتصادي لا يكمن فقط في تحسن بعض المؤشرات، وإنما في قدرته على تحويل هذا التحسن إلى فرص عمل حقيقية ومستقرة.

وتشير دراسة حديثة لمركز عمران إلى وجود تحسن متفاوت في بعض القطاعات خلال النصف الأول من عام 2026، ولا سيما البناء والتشييد والتجارة والنقل والاتصالات والطاقة، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن سوق العمل لم يواكب وتيرة التعافي، مع استمرار العمالة غير الرسمية وضعف قدرة المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر على التوسع وتوليد وظائف جديدة.

وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين الاقتصاد الذي يتحسن في بعض قطاعاته وبين المواطن الذي لا يشعر بتحسن مماثل في قدرته على تأمين دخل ثابت. فالنمو الذي لا يصل إلى سوق العمل يبقى محدود الأثر اجتماعياً، مهما بدت أرقامه إيجابية.

الدولة أمام اختبار التشغيل

في نيسان الماضي، دعمت منظمة العمل الدولية في سوريا مشاورات لتصميم برنامج وطني للأشغال العامة، بالتوازي مع اتفاق لإجراء مسح وطني للقوى العاملة بهدف توفير بيانات أحدث عن سوق العمل. وهي خطوات يمكن أن تساعد في بناء سياسات تشغيل أكثر ارتباطاً بالواقع.

لكن التحدي أكبر من إطلاق برامج مؤقتة أو توفير عدد محدود من فرص العمل. سوريا تحتاج إلى إعادة بناء قطاعاتها الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار، ودعم المشروعات الصغيرة، وربط التعليم باحتياجات السوق، وخلق بيئة تسمح للقطاع الخاص بتوظيف العمال بصورة مستقرة، إلى جانب حماية حقوق العاملين.

فالوظيفة ليست مجرد راتب آخر الشهر؛ إنها استقرار لأسرة، وأمل لشاب، واستثمار في تعليم، وسبب للبقاء داخل البلاد بدلاً من البحث عن مستقبل في مكان آخر.

وفي بلد يحاول الخروج من سنوات طويلة من الحرب والانكماش، قد تكون معركة البطالة واحدة من أهم معارك المرحلة المقبلة. وإذا كان التعافي الاقتصادي هدفاً وطنياً، فإن معيار نجاحه الحقيقي لن يكون عدد المشاريع التي تعلن، ولا حجم الخطط التي توضع، وإنما عدد السوريين الذين سيجدون عملاً كريماً ومستقراً يغنيهم عن السؤال والهجرة والانتظار.

فالسؤال الذي ينتظر إجابة لم يعد: هل يتعافى الاقتصاد السوري؟ بل أصبح أكثر مباشرة وإلحاحاً: متى سيصل هذا التعافي إلى جيب المواطن وإلى الشاب الذي ينتظر منذ سنوات فرصة عمل؟

- Advertisement -

- Advertisement -