لكل السوريين

إخلاء مخيم حي الجامعة يضع نازحي ريف حماة أمام مأزق العودة أو التشرد

يواجه عشرات النازحين المقيمين في مخيم حي الجامعة بمدينة إدلب خطر فقدان مساكنهم، بعد إبلاغهم بضرورة إخلاء المخيم قبل نهاية يوم الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2026، في قرار أثار مخاوف من انتقال العائلات إلى نزوح جديد، في ظل عدم وضوح البدائل السكنية المتاحة أمامها.

وبحسب ما أورده المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن قسم البلديات في وزارة الداخلية وجّه إنذاراً نهائياً إلى سكان المخيم، الذي يضم في غالبيته نازحين من ريف حماة الشرقي، لمغادرته ضمن المهلة المحددة، فيما تحدثت مصادر محلية عن احتمال استخدام القوة في حال عدم تنفيذ القرار. ولم يصدر حتى الآن توضيح رسمي منشور يبيّن تفاصيل الخطة الحكومية لإيواء العائلات بعد الإخلاء.

من المخيم إلى أين؟

تقول روايات نقلتها وسائل إعلام محلية إن المشكلة الأساسية التي تواجه سكان المخيم لا تتعلق برفض العودة إلى مناطقهم الأصلية، بقدر ما ترتبط بقدرتهم على العودة إليها. فجزء من منازل العائلات تعرض للدمار أو يحتاج إلى ترميم، فيما تعاني بعض مناطق ريف حماة الشرقي من نقص في الخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل العودة بالنسبة إلى عائلات كثيرة خياراً غير متاح في الوقت الراهن.

وتبرز أزمة المياه بشكل خاص في بعض قرى ريف حماة الشرقي، إذ أفادت تقارير محلية بتضرر شبكات المياه والآبار وسرقة مضخات، ما يضيف عائقاً جديداً أمام الأسر التي تفكر في العودة إلى مناطقها الأصلية. ونقلت «عنب بلدي» عن أحد أبناء قرية جروح المقيمين في مخيم حي الجامعة أن أزمة المياه تعد من أبرز الأسباب التي تحول دون عودة الأهالي إلى القرية.

وبذلك تجد العائلات نفسها أمام معادلة صعبة: البقاء في مخيم مهدد بالإخلاء، أو العودة إلى مناطق قد لا تكون مساكنها وخدماتها مهيأة لاستقبالها، أو البحث عن سكن جديد في إدلب، وهو خيار تصطدم به القدرة المالية المحدودة لكثير من الأسر النازحة.

عودة النازحين.. بين الأرقام والواقع

يأتي قرار الإخلاء في وقت تشهد فيه سوريا حركة عودة واسعة للنازحين واللاجئين، إلا أن الجهات الإنسانية تؤكد أن العودة لا تعني بالضرورة انتهاء مشكلات النازحين.

وأظهرت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن حركة العودة شهدت ارتفاعاً خلال عام 2026، بينما بقيت احتياجات إنسانية واسعة قائمة. وفي تقريرها التشغيلي، أشارت المفوضية إلى أن استمرار العودة يترافق مع تحديات تتعلق بالسكن المتضرر، والوصول إلى الخدمات وسبل العيش، إضافة إلى محدودية قدرة المناطق على استيعاب العائدين.

وتظهر بيانات المفوضية المحدثة في 24 أيلول/سبتمبر الجاري استمرار عمليات رصد أوضاع النازحين والعائدين في مختلف المناطق السورية، بما يعكس أن ملف النزوح لم ينتهِ رغم اتساع حركة العودة خلال الفترة الماضية. كما تؤكد المفوضية أن قرار العودة ينبغي أن يكون قائماً على الاختيار والظروف التي تسمح بعودة آمنة ومستقرة.

عودة طوعية أم إخلاء تحت ضغط؟

وفي الأشهر الماضية، شهدت مناطق في ريف حماة عودة عائلات من مخيمات شمال سوريا. ففي آب/أغسطس، غادرت قافلة تضم 222 عائلة من مخيمات الشمال باتجاه قرى وبلدات في محافظة حماة، ضمن جهود دعم العودة. لكن التقارير المتعلقة بهذه العودة أشارت في الوقت نفسه إلى استمرار تحديات تتعلق بالمنازل والبنية التحتية والخدمات وفرص العمل.

وهنا يبرز الفرق بين العودة التي تختارها الأسرة بعد التأكد من قدرتها على الاستقرار، وبين إخلاء مكان الإقامة من دون وجود بديل واضح. فإفراغ المخيمات قد يكون جزءاً من سياسة أوسع لإنهاء واقع المخيمات، لكن نجاح هذه السياسة يرتبط بقدرة السلطات على توفير مساكن وخدمات وفرص معيشية للعائلات التي ستغادرها.

وكانت المفوضية الأممية قد دعت في آب/أغسطس إلى زيادة الدعم المخصص للتعافي وسبل العيش والبنية التحتية والخدمات الأساسية، بالتزامن مع تزايد أعداد العائدين إلى سوريا، محذرة بصورة غير مباشرة من الفجوة بين سرعة العودة وقدرة المناطق المتضررة على استيعاب العائدين.

مخاوف من نزوح جديد

ويخشى سكان مخيم حي الجامعة من أن يؤدي الإخلاء، في حال عدم توفير بدائل، إلى إعادة إنتاج المشكلة نفسها في مكان آخر، عبر دفع العائلات إلى استئجار مساكن لا تستطيع تحمل تكلفتها أو الانتقال إلى مواقع نزوح جديدة.

ويطالب الأهالي، وفق ما نقلته التقارير المحلية، بإعادة النظر في القرار أو تأجيل تنفيذه إلى حين توفير بدائل سكنية مناسبة، خصوصاً للعائلات التي لا تملك منازل صالحة للسكن في مناطقها الأصلية. كما دعا المرصد السوري إلى مراعاة الظروف الإنسانية للنازحين وتأمين أماكن بديلة قبل تنفيذ الإخلاء.

وتعيد قضية مخيم حي الجامعة فتح ملف أوسع في سوريا: متى تصبح العودة ممكنة فعلاً، وليس فقط متاحة على الورق؟ فإزالة الخيام أو إخلاء المخيمات لا تنهي بالضرورة النزوح، ما لم تترافق مع إعادة تأهيل المساكن، وتشغيل شبكات المياه والكهرباء والطرق والمدارس والمراكز الصحية، وتأمين مصادر دخل تسمح للعائلات بالبقاء بعد عودتها.

وفي انتظار ما ستقرره الجهات المعنية قبل انتهاء مهلة 27 أيلول، يبقى عشرات الأسر في مخيم حي الجامعة أمام موعد لا يتعلق فقط بمغادرة مكان إقامتهم، بل بمصير السكن الذي سيجدونه بعد المغادرة، وما إذا كانت العودة إلى ريف حماة ستتحول إلى بداية استقرار حقيقي، أم إلى حلقة جديدة من النزوح.

- Advertisement -

- Advertisement -