قبل أن تستيقظ مدينة الرقة على حركة الأسواق والطرقات، تكون مجموعات من النساء قد غادرت منازلها متجهة إلى الحقول. موعدهن ليس مع شمس الصباح، بل مع موسم القطن الذي يبدأ كل عام في سبتمبر، حين تتحول الحقول إلى مساحة عمل واسعة تستقبل مئات العاملات اللواتي يبدأن يومهن قبل الجميع وينهينه بعد ساعات طويلة بين شجيرات «الذهب الأبيض».
في ريف الرقة، حيث بدأ المزارعون هذا الشهر جني محصول القطن، لا يقتصر الموسم على المزارع وحده. خلف كل كومة قطن أبيض تتجمع في الحقول حكاية عمال وعاملات يعتمدون على هذا الموسم لتأمين دخل مؤقت، فيما تدخل النساء في قلب العملية منذ الساعات الأولى من النهار. وتشير تقارير محلية حديثة إلى أن عمليات الجني بدأت في ريف الرقة الشمالي، في وقت لا تزال فيه تسعيرة المحصول وآلية تسويقه موضع انتظار، وسط ارتفاع تكاليف الإنتاج وأجور العمال.
الرابعة فجراً.. بداية يوم مختلف
في ذاكرة الرقة الزراعية، ارتبط موسم القطن منذ عقود بصورة النساء وهن يتوجهن إلى الحقول في ساعات مبكرة جداً. وتوثق مادة أرشيفية عن موسم القطن في الرقة أن سيارات كانت تبدأ قبل الفجر بجمع العاملات من منازلهن، ثم تتوجه بهن إلى الحقول، حيث يستمر العمل من الصباح وحتى المساء.
هذه الصورة القديمة لا تبدو بعيدة كثيراً عن واقع الموسم الحالي، وإن تغيرت ظروف العمل وأجوره وتكاليف الحياة. فالمرأة التي تدخل الحقل مع بداية النهار لا تأتي فقط لتشغل ساعات من يومها، بل تدخل في سلسلة إنتاج تبدأ من الأرض وتنتهي ببيع المحصول، وتحصل مقابل ما تجمعه من القطن على أجر مرتبط بكمية إنتاجها.
تجلس العاملة أو تنحني بين شجيرات القطن، تلتقط القطن المتفتح وتضعه في كيسها، ثم تواصل الانتقال بين النباتات حتى يمتلئ. ومع تكرار الحركة مئات المرات خلال اليوم، يتحول العمل إلى جهد جسدي متواصل لا يشبه الصورة الهادئة التي قد توحي بها بياضات القطن المنتشرة في الحقول.
موسم العمل بالنسبة إلى النساء
بالنسبة إلى كثير من العاملات، يمثل موسم القطن فرصة مؤقتة للحصول على دخل في منطقة يعتمد جزء كبير من اقتصادها على الزراعة.
وفي حديث حديث نقلته الجزيرة عن عاملة في جني القطن بالرقة، قالت عائشة موسى إبراهيم إن العاملات يبدأن العمل قرابة الخامسة صباحاً ويستمرن حتى الخامسة والنصف عصراً، مقابل نحو 100 دولار للطن، مشيرة إلى أن ظروف الموسم أفضل من العام السابق من ناحية المحصول، لكن ارتفاع تكاليف المعيشة أثقل كاهل العمال والمزارعين.
وتقول إبراهيم إنها تضطر إلى اصطحاب ثلاثة عمال وثلاثة أطفال معها إلى العمل، في مشهد يكشف جانباً آخر من حياة المرأة العاملة في الريف: العمل لا ينفصل دائماً عن مسؤوليات الأسرة ورعاية الأطفال.
وهنا تصبح الحقول بالنسبة إلى بعض النساء مكاناً للعمل ومصدر دخل، لكنها في الوقت نفسه مساحة تضطر فيها المرأة إلى التوفيق بين مهمتين؛ كسب المال من جهة، ورعاية أطفالها من جهة أخرى.
أجر مرتبط بكل كيلوغرام
في موسم القطن، لا يقاس يوم العاملة بعدد ساعات العمل فقط، بل بكمية المحصول التي تستطيع جمعها.
وهذا يجعل سرعة العمل وقدرة المرأة الجسدية على التحمل عاملاً مباشراً في حجم الدخل الذي تحصل عليه. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، يصبح أي تراجع في الأجر أو الإنتاج مؤثراً مباشرة في الأسرة التي تعتمد على هذا الدخل.
وتظهر المعطيات الميدانية هذا العام أن أجور جني القطن ارتفعت إلى مستويات تشكل عبئاً على المزارعين، إذ تحدث مزارعون في الرقة عن وصول أجور العمال إلى نحو 150 دولاراً للطن في بعض الحالات، بينما نقلت الجزيرة عن عاملة تقديراً بنحو 100 دولار للطن، ما يعكس تفاوتاً في الأجور بحسب المنطقة وطريقة الاتفاق وظروف العمل.
وفي المقابل، لا تزال عملية تسويق المحصول تواجه حالة من عدم الوضوح، إذ لم تكن التسعيرة الرسمية قد صدرت حتى منتصف سبتمبر، بينما طالب مزارعون بتحديد سعر يراعي ارتفاع تكاليف الإنتاج.
«الذهب الأبيض» الذي لا يأتي بسهولة
لطالما ارتبط القطن باسم الرقة، وكان أحد أبرز المحاصيل التي اعتمد عليها اقتصاد المحافظة الزراعي. لكن السنوات الأخيرة حملت تغيرات كبيرة لهذا القطاع.
وتشير تقارير حديثة إلى تراجع المساحات المزروعة بالقطن في الرقة خلال الموسم الحالي بنحو 80% مقارنة بسنوات سابقة، مع عزوف عدد من المزارعين عن زراعته بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب وضوح كافٍ بشأن التسويق والتسعير.
وهذا التراجع لا يعني خسارة محصول زراعي فقط، بل يعني أيضاً تقلص فرص العمل الموسمية المرتبطة به، ومنها فرص النساء اللواتي يعتمدن على موسم القطاف للحصول على دخل.
فكل دونم لا يُزرع بالقطن يعني مساحة أقل للعمل، وكل ارتفاع في تكاليف الإنتاج ينعكس في النهاية على قدرة المزارع على تشغيل العمال، فيما يؤدي غياب التسعيرة الواضحة إلى زيادة حالة عدم اليقين لدى جميع أطراف السلسلة الزراعية.
عمل موسمي.. وحاجة دائمة
قد ينتهي موسم القطاف بعد أسابيع، لكن احتياجات الأسر التي تعتمد على دخله لا تنتهي بانتهاء الموسم.
العاملة التي تجمع القطن اليوم تحتاج إلى تأمين الطعام والملابس ومصاريف الأطفال، وقد تكون مسؤولة عن أسرة كاملة أو تساهم في دخل الأسرة إلى جانب زوجها. لذلك فإن العمل الموسمي، رغم محدودية مدته، قد يكون بالنسبة إليها جزءاً أساسياً من ميزانية المنزل.
وتزداد أهمية هذا الدخل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في المناطق الزراعية، حيث أصبحت الأسر تبحث عن أكثر من مصدر للدخل، فيما تلجأ النساء إلى الأعمال الموسمية والزراعية باعتبارها واحدة من الفرص القليلة المتاحة أمامهن.
حين تحمل المرأة كيس القطن والأسرة معاً
وراء صورة النساء المنحنیات فوق شجيرات القطن قصة اجتماعية أوسع.
فالمرأة التي تخرج في الخامسة صباحاً إلى الحقل لا تترك مسؤولياتها المنزلية خلفها. تنتظرها بعد العودة أعمال المنزل ورعاية الأطفال وتحضير الطعام وغيرها من المهام اليومية، ما يجعل يوم العمل أطول من الساعات التي تقضيها في الحقل.
وفي بعض الحالات، ترافقها أطفالها إلى مكان العمل، كما تظهر شهادة إحدى العاملات في الرقة هذا الموسم، لتصبح الحقول مكاناً تجتمع فيه ضرورات العمل مع مسؤوليات الأمومة.
وهذه الصورة تعكس واقعاً أوسع للمرأة الريفية السورية؛ فالعمل خارج المنزل لم يلغِ العمل داخله، بل أضاف إليه مسؤولية جديدة، هي توفير جزء من الدخل الذي تحتاجه الأسرة للبقاء.
الرقة.. موسم القطن بعيون نسائها
مع استمرار جني القطن في ريف الرقة، تبدو الحقول وكأنها تعيد مشهداً قديماً من ذاكرة المحافظة، لكن بظروف اقتصادية أكثر قسوة.
نساء يبدأن العمل قبل شروق الشمس، ومزارعون ينتظرون سعراً واضحاً لمحصولهم، وأسر تبحث عن دخل يساعدها على مواجهة تكاليف الحياة. وبين هذه الأطراف يقف القطن، الذي كان يوصف بالذهب الأبيض، أمام موسم جديد يحمل معه فرصاً محدودة وتحديات كثيرة.
لكن ما لا يظهر في أرقام الإنتاج والمساحات والأسعار هو اليد التي تجمع المحصول حبة حبة.
تلك اليد غالباً لامرأة بدأت يومها قبل الجميع، قطعت الطريق إلى الحقل في الظلام، وانحنت لساعات تحت الشمس، ثم عادت إلى منزلها لتبدأ عملاً آخر لا يدخل في حسابات وزن القطن ولا في سعر الطن.
في الرقة، لا يروي موسم القطن قصة محصول فقط؛ بل يروي أيضاً قصة نساء يعملن بصمت، ويساهمن في اقتصاد أسرهن، ويحملن جزءاً من عبء الحياة الزراعية في محافظة ما زال القطن فيها يحاول استعادة مكانته القديمة.