حاوره/ مجد محمد
أكد مجد الخالد؛ إن تركيا حالياً في وضع سياسياً حرج جداً، فهي الآن محتارة، ولا تستطيع انتهاج سياسة معينة إزاء الغموض الأمريكي الذي جعلها في موقف حرج، وبعد تهنئة اردوغان لترامب، لم يعد الامر مخفي على أحد، إذ ان تركيا تحاول استقطاب رضاء الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم عودة العلاقات المتوترة إلى سابق عهدها.
عودة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أحيت آمال رئيس النظام التركي بإكمال مخططاته العالقة منذ سنوات خلت، حين احتل الجيش التركي مدينتي تل أبيض ورأس العين في خريف عام ٢٠١٩.
ومع توضح الصورة حول الفائز بالانتخابات الأمريكية التي جرت في الخامس من الشهر الجاري، كان أردوغان من أوائل المهنئين لترامب وأكثرهم تعبيراً عن غبطته بذلك الفوز، ومنذ ذلك الحين عادت التصريحات القديمة الجديدة حول إقامة ما يسميه منطقة آمنة في سوريا عبر هجمات عسكرية تستهدف مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، إلا أن الرياح لم تأتي كما تشتهي سفن أردوغان، فجاءت تعيينات ترامب لفريقه في الإدارة الجديدة صادمة للرئيس التركي، فمعظم الفريق الجديد مناهض لأنقرة وأجنداتها في أكثر من ملف وخاصة السوري.
ومع إعلان أسماء الفريق تلاشت شيئاً فشيئاً تصريحات التهديد والوعيد من مسؤولي النظام التركي. وعادت إلى السطح مجدداً أحاديث التطبيع مع النظام السوري، فيما ذهبت ردود الأفعال التركية في اتجاه فوز ترامب تأخذ طابع الرسمية والدبلوماسية أكثر مما سبق، فالرغبة التركية في احتلال مناطق جديدة في إقليم شمال وشرق سوريا ربما تحتم على أنقرة تقديم تنازلات لواشنطن في ملفات أخرى لنيل الضوء الأخضر في هجومها المزمع، خاصة وأن النظام التركي لم يلقى رداً إيجابياً من موسكو حول هذا الهجوم الذي يهدد بشنه بين الفينة والأخرى، لكن ما الممكن أن يقدمه النظام التركي للولايات المتحدة في سبيل تحقيق أهدافه في شمال وشرق سوريا، خاصة وأنه لا يملك تأثيراً كبيراً في الملفات التي تؤرق واشنطن وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية.
وبهذا الخصوص كان لصحيفتنا “السوري” لقاءاً مطولاً مع مجد الخالد عضو الحزب التقدمي الديمقراطي.
*بعودة ترامب تنفس أردوغان الصعداء بالبداية، لكن هناك غبطة، هل هي من منطلق الخوف أم هي آمال متراكمة؟
أردوغان كان يتوقع أن يكون فوز ترامب أحد عوامل استقرار المنطقة، وهذا وارد طبعاً فترامب يحاول حل بعض الازمات، وجميعنا يعلم أن أردوغان شخصية براغماتية وتميل إلى عقد وإبرام صفقات على نفس طريقة ترامب، ولكن المشكلة أن أردوغان يعلم تماماً أنه لا يملك الكثير من الملفات التي يمكن أن يقوم بأبرام الصفقات بشأنها، فتركيا ليست دولة مالكة لموارد على غرار المملكة العربية السعودية حتى تستطيع أن تفاوض ترامب عبر هذه الموارد التي تمتلكها، وأيضاً في العديد من الملفات الإقليمية لم تعد تركيا دولة مؤثرة وخصوصاً أن ترامب في الحقيقة لديه موقف من الناتو ويريد إضعاف الناتو، وحتى إن وجود تركيا في حلف الناتو ليس مهماً بالنسبة لترامب، وهو معروف أنه من الشخصيات الأمريكية التي تميل إلى مدرسة الانعزالية التي تحدث عنها جورج واشنطن سابقاً، وهذه المدرسة تريد بناء واغناء أمريكا من الداخل وليس انشغالها بالملفات الخارجية والعالمية، وأخيراً وبصراحة تركيا ليست بحاجة للحماية الأمريكية حتى بالرغم من وجود قاعدة أمريكية فيها.
*فكرة تعيين إدارة من الصقور كيف تردد صدى هذا الأمر في أنقرة؟
أعتقد أن الحركة التي تعودنا أن يقوم بها الرئيس التركي هي دائماً حركة اقتناص اللحظات والفرص، وهو لن يتردد بأن يقوم باستدارة يمكن أن تكون كلية أو جزئية لمواقفه، لا أعتقد أنه في هذه المرحلة سيبني أردوغان موقفاً واضحاً قبل أن يستلم ا
لرئيس الأمريكي سلطاته كاملة، وبالنسبة للمسؤولين الذين تمت تسميتهم هم يحتاجون إلى موافقات وفق الدستور لكي يقوموا بمهامهم، صحيح أنهم سيشاركون الآن الإدارة المنتهية ولايتها ولكنهم من الناحية الدستورية مازالوا غير رسميين، في هذه المرحلة أردوغان سيحاول أن يتلمس مراكز الالتقاء ومراكز الاختلاف بينه وبين ترامب من ناحية، وبينه وبين فريق عمله المقترح من ناحية ثانية لتقدير موقف مدى استعداده، فالتركي حسب ما تعودنا عليه أنه لا يتمرد حتى الآخر وإنما يعتمد سياسة حافة الهاوية وخاصة أنه ركن أساسي من الحلف الأطلسي وهو يملك القوة العسكرية الثانية بين دول الحلف.
*مع بداية إعلان فوز ترامب خرج أردوغان يصرح ليلاً نهاراً بعمل عسكري ضد سوريا وعاد يتحدث عن المنطقة الأمنية، ومن ثم خفت وتيرة هذه التصريحات وعادت فكرة التطبيع مع دمشق، ما الذي نفهمه من هذا؟
من المعلوم أن ترامب لديه موقف من القواعد العسكرية والوجود العسكري الأمريكي في عدة مناطق ومنها في سوريا، وقد حاول ترامب في ولايته الرئاسية الأولى سحب قواته العسكرية منها، لكن ذلك تمت مواجهته مواجهة قوية من قبل البنتاغون والمجموعات الأخرى التي ترى أن وجود الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المنطقة ليس لأجل سوريا، وإنما هي نقطة مؤثرة في المنطقة بما يتعلق بإيران وما يتعلق حتى بتركيا نفسها، اليوم حينما يحاول أردوغان اللعب بورقة سوريا هو يريد أن يشير إلى أن تركيا تملك هذه الورقة سواء كان من خلال التدخل العسكري أو التطبيع، فالخيارين بالنسبة لأردوغان متاحات والأمر متعلق بالإدارة الأمريكية ومدى توجهها سواء إن كانت الإدارة الأمريكية تريد أن تتعامل مع تركيا في هذا الملف فأن تركيا مستعدة على التطبيع مع حكومة دمشق؛ إذا كان ذلك يصب في صالح إنهاء هذه الأزمة أو على الأقل تحجيمها، لكن الإشكالية إن أردوغان يدرك أن مسألة الحرب والتدخل العسكري وخصوصاً في مناطق الإدارة الذاتية ليست قراراً تركياً، فحاول أردوغان منذ فترة أن يحصل على الموافقة الروسية ولكن حتى الروس لم يعطوه هذه الموافقة، لا شك إن هذه المسألة معقدة ولكن الأتراك يحاولوا أن يستخدموا هذا الملف وهم يدركوا إن مثل سيكون له عواقب وخيمة خصوصاً في ضل إدارة الصقور التي يريد أن يهيمن عليها ترامب، فترامب في الحقيقة يدرك أنه بحاجة إلى هؤلاء الصقور من الجمهوريين في المرحلة القادمة لذلك يستعين بهم، فهؤلاء الصقور سيكونون أداة ترامب في المرحلة القادمة.
*إلى أي درجة تؤثر إستراتيجية الغموض التي يتبعها ترامب هذه الفترة على إستراتيجية تركيا في المنطقة؟
انا لا أعتقد إن أمريكا لديها إستراتيجية واضحة أهم من تركيا نفسها، لأن تركيا ليست بدولة صانعة لمستقبل المنطقة فتركيا من الدول المتأثرة باستراتيجيات الدول العظمى وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، تركيا تؤثر ولكن ليست دولة صانعة لاستراتيجيات في المنطقة. لذلك هي دائماً في موقع ردات فعل، فاليوم عندما تترقب تركيا الأحداث الأمريكية هذا دليل إن تركيا تريد أن تعرف كيف تتعامل مع هذا الحدث، وواضح إن ترامب هذه المرة ينتهج هذه السياسة وهذه المواقف حتى وصوله إلى البيت الأبيض، وهي سياسة الغموض وعدم الإعلان عن سياساته ربما لأهداف أخرى تتعلق بترتيبات البيت الداخلي الأمريكي وربما إن ترامب يريد من الإدارة الحالية أن تنهي ما بدأت به من خطط وبرامج وتوجهات، وحينما يصل تكون النتائج قد اكتملت ويكون هناك خطة جديدة من ترامب لأنهاء بعض الأزمات، لكن فيما يتعلق في منطقة الشرق الأوسط وبما نعرفه عن ترامب من تجربته السابقة فأنهم يميلون إلى التهدئة على حساب روسيا والصين على أن تكون هذه المنطقة مشتعلة، فربما أن تكون هذه المنطقة مقبلة على العديد من الأزمات وليس على التهدئة، ولكن على حساب التهدئة في مناطق أخرى يمكن أن تشتعل الأمور في الشرق الأوسط.
*هل لدى أنقرة القدرة على استغلال أي فجوة مصالح في مكان ما من أجل شمال وشرق سوريا، وما هو الثمن الذي قد تقدمه تركيا؟
هذا يعتمد على طريقة إدارة ترامب مع ملف الصراع مع روسيا، إذا حاول ترامب أن يقلب الطاولة على الجميع وكسر الحواجز واتجه مباشر إلى بوتين، لا أقصد بالسفر وإنما ممكن بالتفاوض لأجل إنهاء الأزمة الأوكرانية حينها لن يكون لدى تركيا دور مؤثر في هذه العلاقة، وهناك أيضاً جانب تستطيع تركيا أن تلعب دور به خصوصاً وهي قريبة من الجانب الأمريكي والروسي وحتى الأوروبي، فيمكن هي أن تلعب دور في إنهاء الأزمة بمقابل طلبها احتلال مناطق شمال وشرق سوريا من أمريكا، ولكن الإشكالية هنا أن الملف السوري في هذه الجزئية هو ملف معقد جداً من عدة نواحي، فأمريكا تريد لقسد وضعية معينة ولا يمكننا أن ننسى مصالحها في شمال وشرق سوريا، وكذلك محاربة الإرهاب في المنطقة، فالمسألة ليست مجرد صراع بين تركيا وسوريا، فالولايات المتحدة لا تستطيع أن تخرج من المنطقة فقط لمجرد مصالحها مع تركيا، فمصالح أمريكا فوق مصالح تركيا.