الرقة/ حسن الشيخ
مع التطور السريع للتكنولوجيا وانتشار الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية بين الأجيال الصغيرة، تحوّل العالم الرقمي إلى جزء أساسي من حياة الأطفال. ورغم ما تحمله التكنولوجيا من فوائد تعليمية وترفيهية، فإن الإفراط في استخدامها أصبح يشكل ظاهرة مقلقة تعرف بـ الإدمان الإلكتروني، وهي مشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم داخل البيوت السورية، في ظل غياب الوعي الكافي بخطورتها وغياب البدائل الآمنة.
يعد الإدمان الإلكتروني واحداً من أبرز التحديات التربوية الحديثة، حيث يقضي الأطفال ساعات طويلة أمام الشاشات، سواء في الألعاب الإلكترونية، أو منصات الفيديو، أو تطبيقات التواصل. وبحسب اختصاصيي التربية والسلوك، فإن الطفل يدخل مرحلة الإدمان حين يتحول الجهاز إلى الوسيلة الوحيدة للمتعة، وحين يصبح الانفصال عنه أمرًا صعبًا ينعكس على مزاجه وسلوكه وتعليمه.
في ظل الظروف التي تعيشها البلاد، تلجأ الكثير من العائلات إلى السماح لأطفالها باستخدام الأجهزة لفترات طويلة، إما لانشغال الأهل بالأعمال، أو لعدم توفر مساحات آمنة للعب في الخارج، أو بسبب ندرة الأنشطة الترفيهية البديلة. لكن هذا الاستخدام غير المنضبط يؤدي إلى مشكلات عميقة، تبدأ من التأثير على الصحة الجسدية ولا تنتهي عند الاضطرابات السلوكية والنفسية.
يؤكد الأطباء أن التعرض الطويل للشاشات يساهم في إجهاد العين، ضعف البصر، اضطرابات النوم، والسمنة نتيجة قلة الحركة. كما تشير دراسات إلى أن الأطفال الذين يقضون وقتاً طويلاً على الأجهزة يظهر لديهم تشتت في الانتباه، تأخر في الكلام لدى الصغار، وانخفاض في التحصيل الدراسي بسبب انغماسهم في العالم الافتراضي على حساب الدراسة والمهام اليومية.
أما على المستوى النفسي، فيؤدي الإدمان الإلكتروني إلى الانطواء الاجتماعي، حيث يفقد الطفل تدريجياً مهارات التواصل الواقعي مع الآخرين، ويصبح أكثر تعلقًا بالشخصيات الافتراضية وبالألعاب التي تمنحه شعوراً زائفاً بالإنجاز. وتزداد الخطورة عند الألعاب التي تحتوي على مستويات عالية من الإثارة والعنف، والتي قد تترك آثاراً طويلة الأمد على سلوك الطفل وطريقة تفاعله مع محيطه.
في المقابل، لا يمكن إغفال الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تساعد على انتشار الظاهرة. فالكثير من الأهالي يفتقرون للمعرفة الرقمية الضرورية لمراقبة المحتوى وضبطه، إضافة إلى أن بعضهم غارق في ضغوط الحياة لدرجة تمنعه من متابعة تفاصيل استخدام الأطفال للأجهزة. كما أن غياب القوانين أو التوجيهات الرسمية الواضحة حول حماية الأطفال رقمياً يترك الأسرة وحدها في مواجهة هذه المشكلة المعقدة.
ويجمع المختصون على أن الحل لا يكمن في منع الأطفال من استخدام التكنولوجيا بالكامل، بل في إدارة استخدامها ووضع قواعد واضحة داخل البيت. ويُنصح بأن تكون الأجهزة خارج غرفة النوم، وأن يتم تحديد أوقات ثابتة ومحدودة يومياً، إلى جانب تشجيع الأطفال على ممارسة أنشطة بديلة مثل الرياضة والقراءة والألعاب الجماعية. كما أن مشاركة الأهل في الألعاب أو متابعة المحتوى مع أطفالهم تخلق نوعاً من الرقابة الإيجابية وتحد من التأثيرات السلبية.
وتتطلب مشكلة الإدمان الإلكتروني وعياً أكبر من الأسر والمؤسسات التعليمية على حد سواء. فالعالم الرقمي باقٍ ولن يختفي، لكن حماية الأطفال من مخاطره هي مسؤولية مشتركة. وبدون خطوات واضحة وواعية، سيبقى الكثير من الأطفال معرضين لمخاطر قد تؤثر على نموهم ومستقبلهم.