حماة/ جمانة الخالد
تُعدّ مدينة حماة واحدة من أقدم وأعرق المدن السورية، بما تمتلكه من إرث حضاري وثقافي مميز يعود إلى آلاف السنين، غير أن هذه المدينة شهدت خلال العقود الماضية تغييرات جذرية طالت معالمها العمرانية والاجتماعية والثقافية، بفعل السياسات الممنهجة التي اتبعها النظام السوري، والتي أدت تدريجياً إلى طمس هويتها التاريخية وتشويه ملامحها الأصيلة.
مدينة على ضفاف التاريخ
تقع حماة في وسط سوريا، على ضفاف نهر العاصي، وقد عُرفت عبر التاريخ بكونها مركزاً تجارياً وثقافياً مهماً، إضافة إلى شهرتها الواسعة بـ النواعير الخشبية العملاقة التي أصبحت رمزاً للمدينة، وهي منشآت هندسية مائية فريدة تعود أصولها إلى العصور الرومانية والبيزنطية، وكانت تُستخدم لرفع المياه من النهر لري البساتين المحيطة. كما تميّزت حماة بأسواقها القديمة ذات الطابع العثماني، وحمّاماتها التقليدية، وبيوتها الحجرية ذات الأقواس والنوافذ المزخرفة، والتي شكلت نسيجاً عمرانياً متجانساً يعكس عراقة المدينة وتنوّع ثقافتها.
مجزرة 1982… البداية الصادمة لطمس المدينة
في فبراير/شباط عام 1982، شهدت المدينة واحدة من أبشع المجازر في تاريخ سوريا الحديث، حينما شنت قوات النظام السوري بقيادة رفعت الأسد حملة عسكرية واسعة النطاق، مستخدمة المدفعية الثقيلة والدبابات، لقمع انتفاضة داخل المدينة.
أسفرت العملية عن مقتل ما يُقدّر بعشرات الآلاف من المدنيين، إضافة إلى تدمير أحياء بأكملها مثل الحاضر والبارودية وسوق الطويل. لم تكن العملية مجرد رد أمني، بل كانت وفق العديد من المؤرخين والمراقبين خطوة مدروسة لإعادة تشكيل المدينة عمرانياً وسكانياً.
فقد سُوّيت مناطق أثرية عريقة بالأرض، وهُدمت منازل وأسواق تقليدية ظلت صامدة لمئات السنين. وبذلك، تحوّلت المجزرة إلى أداة مزدوجة للقمع السياسي والطمس الثقافي.
إعادة الإعمار المشوّهة وتغيير الطابع العمراني
في السنوات التي تلت المجزرة، أُطلقت مشاريع بناء جديدة أعادت تشكيل وسط المدينة، لكنها جرت بطريقة عشوائية ومقصودة في آنٍ واحد.
تم استبدال الأسواق العتيقة والمنازل التراثية بمبانٍ إسمنتية حديثة تفتقر إلى الهوية المحلية، كما جرى شق طرق جديدة وتغيير المخططات القديمة، ما أدى إلى محو الذاكرة البصرية والمعمارية للمدينة.
العديد من النواعير جفّت أو تعطلت نتيجة الإهمال المتعمد أو التغييرات في مجرى نهر العاصي، ما أدى إلى فقدان المدينة أحد أهم رموزها التاريخية.
التغيير الديمغرافي والاجتماعي
بالتوازي مع التغييرات العمرانية، شهدت حماة تغييرات عميقة في بنيتها السكانية والاجتماعية.
فقد رافقت عمليات القمع والمجزرة حملات تهجير قسري طالت آلاف العائلات من سكان المدينة الأصليين، واستُبدلت تركيبتهم السكانية تدريجياً بعناصر موالية للنظام أو من مناطق أخرى، في مسعى واضح إلى تفكيك النسيج الاجتماعي التقليدي الذي كان يميّز المدينة.
كما تراجعت الحياة الثقافية والفنية التي اشتهرت بها حماة، إذ كانت المدينة لعقود مركزاً للأنشطة الموسيقية والمسرحية والفولكلورية، لتتحول لاحقاً إلى مدينة خاضعة لرقابة أمنية مشددة تمنع أي نشاط ثقافي مستقل أو غير خاضع للسلطة.
الثورة السورية وتكرار المأساة
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، لم تسلم حماة من موجة العنف الجديدة. فقد خرجت المدينة في مظاهرات حاشدة طالبت بالحرية والإصلاح، لكن النظام ردّ بقوة مفرطة، شملت حملات اعتقال واسعة وقصفاً للأحياء السكنية، ما أدى إلى موجة جديدة من الدمار والنزوح.
أحياء بكاملها تضررت مجدداً، والبنية التحتية تدهورت، في ظل تجاهل متعمد لأي جهود حقيقية لإعادة إعمار متوازنة تحفظ الطابع التاريخي للمدينة.
طمس الهوية كسياسة رسمية
يرى باحثون ومؤرخون أن ما جرى في حماة لا يمكن اعتباره سلسلة من الأحداث العرضية، بل هو سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل المدن السورية على نحو يخدم السيطرة السياسية والأمنية للنظام.
فالهوية الثقافية والتراثية للمدن ليست مجرد تفاصيل جمالية، بل هي أيضاً ركيزة للذاكرة الجماعية والانتماء المحلي، ومن هنا سعى النظام إلى تفكيك هذه الركائز لتقليل قدرة المجتمعات المحلية على المقاومة أو الحفاظ على هويتها المستقلة.
الحاجة إلى توثيق الذاكرة وإنقاذ ما تبقى
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على مجزرة 1982، وما تلاها من أحداث، تواجه حماة خطر ضياع ذاكرتها التاريخية نهائياً، خاصة مع رحيل الجيل الذي عايش تلك الحقبة.
تعمل بعض المنظمات السورية المستقلة والباحثين المحليين على توثيق شهادات الناجين، وجمع الصور والوثائق الأثرية، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من ذاكرة المدينة، غير أن هذه الجهود تبقى مشتتة وتواجه تحديات سياسية وأمنية كبيرة.
دعوات دولية لحماية التراث السوري
في ظل هذا الواقع، ترتفع أصوات تطالب المجتمع الدولي والمؤسسات الثقافية العالمية، مثل منظمة اليونسكو، بضرورة التدخل لحماية ما تبقى من التراث الثقافي السوري، وخاصة في المدن المتضررة مثل حماة.
فما تعرضت له المدينة لا يمثل مجرد خسارة محلية، بل هو خسارة للذاكرة الثقافية الإنسانية جمعاء، نظراً للقيمة التاريخية التي تمثلها النواعير والأسواق والمنازل التقليدية والأنشطة الثقافية التي كانت تشكل جزءاً من التراث اللامادي لسوريا.