لم تعد ظاهرة التنمر داخل المدارس السورية مجرد مشاجرات عابرة بين الطلاب أو مواقف يمكن تجاوزها مع انتهاء اليوم الدراسي، إذ باتت تمثل مشكلة تربوية واجتماعية تترك آثاراً مباشرة على حياة الأطفال والمراهقين، في ظل ظروف تعليمية واجتماعية ضاغطة تعيشها الأسر والمدارس السورية منذ سنوات.
ويأخذ التنمر أشكالاً متعددة داخل البيئة المدرسية، تبدأ بالسخرية من الشكل أو اللهجة أو الوضع الاجتماعي، وقد تصل إلى الإهانة والتهديد والضرب والعزل المتعمد ونشر الشائعات، وصولاً إلى التنمر الإلكتروني الذي بات أكثر حضوراً مع اتساع استخدام الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي بين الأطفال واليافعين.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تتوقف عند حدود السلوك الذي يصدر من طالب تجاه زميله، وإنما قد تتحول إلى تجربة نفسية طويلة الأمد بالنسبة للطفل الذي يتعرض لها. فالطالب الذي يتعرض للإهانة المتكررة قد يبدأ بفقدان ثقته بنفسه، ويميل إلى العزلة، ويتراجع تفاعله مع زملائه ومعلميه، وقد ينعكس ذلك على حضوره المدرسي ومستواه التعليمي.
وفي السياق السوري، تزداد حساسية التعامل مع الظاهرة في ظل الأعباء التي تتحملها الأسر والمؤسسات التعليمية، وما يرافقها من تحديات اقتصادية واجتماعية ونفسية أثرت في الحياة اليومية للأطفال. وفي مثل هذه البيئة، يمكن أن تتحول المدرسة، التي يفترض أن تكون مساحة آمنة للتعلم وبناء الشخصية، إلى مصدر للقلق بالنسبة لبعض الطلاب إذا لم تتم معالجة حالات التنمر منذ بدايتها.
ولا يقتصر الأمر على الطالب المتضرر وحده، فالمتنمر نفسه يحتاج إلى فهم الأسباب التي تدفعه إلى ممارسة هذا السلوك. فقد يكون العنف الأسري أو غياب المتابعة والتوجيه أو الرغبة في فرض السيطرة على الآخرين أو محاولة إثبات الذات بين الأقران من العوامل التي تدفع بعض الأطفال إلى التنمر، وهو ما يجعل التعامل مع الظاهرة بحاجة إلى معالجة تربوية وليس إلى العقاب وحده.
كما تتحمل المدرسة مسؤولية أساسية في الحد من التنمر، من خلال وجود آليات واضحة للتعامل مع الشكاوى، ومراقبة السلوك داخل الصفوف والساحات، ورفع وعي الطلاب بخطورة الإهانة والعنف والإقصاء، إلى جانب تدريب الكوادر التعليمية على اكتشاف العلامات التي قد تشير إلى تعرض أحد الطلاب للتنمر.
وتبقى الأسرة الطرف الأكثر قدرة على ملاحظة التغيرات التي قد تطرأ على الطفل. فالعزلة المفاجئة، أو الخوف من الذهاب إلى المدرسة، أو تراجع التحصيل الدراسي، أو اضطرابات النوم، أو فقدان الرغبة في التواصل مع الآخرين، كلها مؤشرات تستحق الانتباه، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد تقلبات طبيعية في سلوك الطفل.
ويؤكد مختصون في التربية وعلم النفس عادةً أن مواجهة التنمر لا تعني مطالبة الطفل بالدفاع عن نفسه بالقوة، ولا تحميله مسؤولية ما يتعرض له، بل توفير بيئة يشعر فيها بأنه قادر على الحديث عن المشكلة من دون خوف أو وصمة، مع تدخل الأسرة والمدرسة بصورة مبكرة ومسؤولة.
وتبرز كذلك أهمية توعية الطلاب بأن الاختلاف بين الأشخاص ليس سبباً للإهانة أو الإقصاء، وأن التنوع في الشكل واللهجة والقدرات والظروف الاجتماعية لا يمنح أي طالب الحق في التقليل من شأن زميله. كما أن تحويل الطلاب أنفسهم إلى جزء من الحل، عبر تشجيعهم على رفض التنمر وعدم المشاركة فيه أو التزام الصمت تجاهه، يمكن أن يسهم في تغيير الثقافة السائدة داخل البيئة المدرسية.
وفي النهاية، فإن مواجهة التنمر في المدارس السورية ليست مسؤولية المعلم وحده ولا الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من المنزل وتمتد إلى المدرسة والمجتمع. فالمدرسة الآمنة لا تُقاس فقط بمستوى التعليم والنتائج الدراسية، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية الطفل واحترام كرامته ومنحه شعوراً بأنه ينتمي إلى مكان لا يخاف فيه من السخرية أو الإهانة أو العنف.
ويبقى التعامل المبكر مع التنمر أكثر فاعلية من انتظار تحوله إلى مشكلة أكبر، لأن ما قد يبدو في بدايته “مزحة بين الطلاب” يمكن أن يترك أثراً عميقاً في شخصية طفل، وربما يرافقه لسنوات طويلة.