لم تنتهِ الحرب السورية بالنسبة إلى آلاف الأطفال عند توقف المعارك أو عودة بعض الخدمات إلى المدن والبلدات، إذ لا يزال كثير منهم يواجهون معركة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في إثبات وجودهم القانوني أمام الدولة. أطفال ولدوا خلال سنوات النزاع، لكنهم لم يدخلوا السجلات المدنية، ليجدوا أنفسهم محرومين من وثائق قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تشكل أساساً للحصول على الجنسية والتعليم والرعاية الصحية والحقوق الأساسية.
وفي تحذير جديد صدر في جنيف يوم 4 تشرين الثاني الجاري، وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أزمة غياب الهوية القانونية لدى الأطفال بأنها إحدى أخطر النتائج المستمرة للحرب، مؤكدة أن آلاف الأطفال لا يزالون يواجهون صعوبات في الحصول على الوثائق الرسمية، رغم الإجراءات التي اتخذتها السلطات السورية خلال الفترة الماضية لمعالجة الملف.
الحرب تركت أطفالاً خارج السجلات
تعود جذور الأزمة إلى سنوات النزاع التي شهدت انهياراً واسعاً في مؤسسات الدولة، وتعطل دوائر الأحوال المدنية في مناطق عديدة، إلى جانب النزوح والتهجير وفقدان الوثائق الشخصية، وتدمير بعض السجلات أو صعوبة الوصول إليها.
ولم يكن الأطفال الذين ولدوا في مناطق خارج سيطرة الحكومة السابقة قادرين دائماً على الحصول على وثائق ولادة معترف بها رسمياً، فيما واجهت عائلات أخرى صعوبات في تسجيل الزواج أو تثبيت الوفاة أو إثبات النسب، خصوصاً عندما كان الأب مفقوداً أو متوفياً أو عندما جرى الزواج خارج المؤسسات الرسمية.
وتشير اللجنة الدولية إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بغياب الوثائق، بل تتداخل فيها عوامل قانونية واجتماعية وإدارية، تجعل الوصول إلى التسجيل المدني عملية معقدة بالنسبة إلى شرائح واسعة من الأسر السورية، ولا سيما النساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أطفالهن بعد فقدان الأزواج.
قانون الجنسية يعمّق الأزمة
تتمثل إحدى أبرز العقبات في استمرار العمل بأحكام قانون الجنسية السوري الصادر عام 1969، والذي يمنح الأب السوري الحق الأساسي في نقل الجنسية إلى أبنائه، بينما لا تتمتع الأم السورية بحق مماثل في الحالات العامة.
وتزداد خطورة هذا الواقع عندما يكون الأب متوفياً أو مفقوداً أو غير قادر على إثبات هويته، إذ يجد الطفل نفسه أمام فراغ قانوني قد يحول دون تثبيت جنسيته أو استكمال تسجيله المدني.
وتقول اللجنة إن هذه الإشكالية تتضاعف بالنسبة إلى الأطفال الذين ولدوا نتيجة زيجات غير مسجلة، أو لأمهات سوريات وآباء أجانب، أو في ظروف لم تسمح بإثبات النسب وفق الإجراءات المعمول بها.
وفي هذا السياق، أشارت اللجنة إلى أن تقديرات الحرب تفيد بأن نحو 12 من كل 13 شخصاً قتلوا أو توفوا نتيجة النزاع كانوا من الرجال، ما ترك أعداداً كبيرة من الأرامل والأمهات المعيلات أمام مسؤولية تسجيل أطفالهن في ظل غياب الزوج أو تعذر إثبات وفاته.
طفل موجود في الحياة.. غائب عن الدولة
لا تتوقف آثار غياب الوثائق عند حدود الحصول على شهادة ميلاد، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، إذ يمكن أن يواجه الطفل صعوبات في الالتحاق بالتعليم النظامي، أو الوصول إلى بعض الخدمات الصحية، أو إثبات هويته في المعاملات الرسمية، فضلاً عن تعقيدات تتعلق بالجنسية وحقوق الإقامة والتنقل.
وتحذر تقارير أممية من أن الأطفال الذين لا يمتلكون هوية قانونية يصبحون أكثر عرضة للاستغلال والعمل غير النظامي والحرمان من الخدمات، فيما تزداد المخاطر بالنسبة إلى الأطفال الذين يعيشون في ظروف النزوح أو الفقر أو فقدان الأسرة.
وفي بعض الحالات، اضطرت أسر إلى تسجيل أطفالها بأسماء أقارب ذكور، بهدف تأمين دخولهم إلى المدارس أو حصولهم على الخدمات الأساسية، الأمر الذي قد يؤدي لاحقاً إلى مشكلات قانونية واجتماعية معقدة تتعلق بإثبات النسب وتصحيح القيود المدنية.
وتشير اللجنة إلى أن بعض الأمهات يتراجعن عن متابعة إجراءات التسجيل بسبب طول المعاملات والتكاليف والعقبات الإدارية، إلى جانب الخوف من الوصمة الاجتماعية، خصوصاً في حالات الزواج غير المثبت أو مجهول النسب.
إصلاحات مطلوبة تتجاوز إصدار الوثائق
وخلال النقاش الأممي الأخير، أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية هند قبوات أن الحكومة تعمل على معالجة الملف، مشيرة إلى أن آلاف الأطفال تمكنوا من التسجيل نتيجة إجراءات تسهيلية اتخذت بعد سقوط النظام السابق.
وكشفت الوزيرة عن وصول مقترح قانوني يسمح للأمهات بنقل الجنسية السورية إلى أطفالهن، وفق شروط محددة، إلى مرحلة متقدمة من الموافقة، في خطوة من شأنها معالجة جانب مهم من الأزمة، خصوصاً في حالات غياب الأب أو وفاته أو كونه أجنبياً.
كما دعت إلى منح الأسر فترة قانونية لتصحيح القيود التي سجلت فيها بعض الأطفال بأسماء أقارب، دون معاقبة العائلات التي لجأت إلى هذه الإجراءات تحت ضغط الحاجة.
وشددت اللجنة الدولية على ضرورة تسهيل تسجيل جميع الأطفال، وقبول الوثائق البديلة عند تعذر الحصول على المستندات التقليدية، وتبسيط الإجراءات القضائية والإدارية، وعدم ترك الأطفال رهائن لتعذر إثبات النسب الأبوي في الحالات التي يستحيل فيها ذلك.
أزمة لا تحتمل الانتظار
ورغم أهمية الإجراءات الحكومية والمقترحات القانونية المطروحة، فإن معالجة أزمة الأطفال غير المسجلين لا يمكن أن تقتصر على تعديل تشريعي أو فتح مكاتب التسجيل أمام المواطنين، بل تتطلب خطة وطنية شاملة للوصول إلى الأطفال الذين لم تشملهم الإجراءات السابقة، خصوصاً في المناطق الريفية ومخيمات النزوح والقرى التي تضررت مؤسساتها خلال الحرب.
كما يحتاج الملف إلى توفير مساعدة قانونية مجانية للأمهات، وتخفيف الأعباء المالية والإدارية، وإطلاق حملات تسجيل ميدانية، وربط المؤسسات التعليمية والصحية بآليات إحالة تساعد الأسر على استكمال وثائق أطفالها دون حرمانهم من الخدمات الأساسية.
وتبقى قضية الجنسية واحدة من أكثر الملفات حساسية، إذ إن عدم معالجة التمييز القانوني في انتقالها بين الأب والأم قد يترك ثغرات تستمر في إنتاج حالات جديدة من الحرمان، حتى بعد انتهاء النزاع.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بأوراق ناقصة أو معاملات مؤجلة، بل بأطفال قد يكبرون دون أن يمتلكوا وثيقة تثبت انتماءهم القانوني، في بلد دفعوا فيه ثمن الحرب قبل أن يكون لهم أي دور فيها. وبينما تتجه سوريا إلى إعادة بناء مؤسساتها، تبدو استعادة الهوية القانونية لهؤلاء الأطفال اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحويل التعافي من شعار إلى حقوق ملموسة، تبدأ من أبسط حق: أن يكون لكل طفل اسم مسجل، وهوية معترف بها، ومستقبل لا تحكمه أخطاء الماضي.
المصدر: الأمم المتحدة – أخبار الأمم المتحدة، لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، ومعلومات قانونية أممية حول تسجيل المواليد والجنسية.