المرأة السورية.. تاريخٌ كتبته النساء وغابت أسماؤه عن الرواية
من التعليم والتجارة إلى الحرف والعمل العام.. وثائق التاريخ تكشف حضوراً نسائياً أوسع مما ترويه الذاكرة التقليدية
لم تكن المرأة السورية يوماً مجرد شخصية هامشية في تاريخ البلاد، ولا اختصر حضورها في الأدوار المنزلية التي اعتادت بعض الروايات التاريخية إبرازها. خلف الأسواق القديمة، وفي المدارس والحقول والورش، وبين سجلات المحاكم والوقف والمراسلات، تتكشف حياة نساء امتلكن وتاجرن وعملن وعلّمن، وأسهمن في تشكيل المجتمع السوري عبر قرون، حتى وإن لم تحتفظ الذاكرة العامة بأسمائهن بالقدر الذي احتفظت فيه بأسماء الرجال.
وتشير دراسات التاريخ الاجتماعي إلى أن استعادة هذا الحضور لا تحتاج بالضرورة إلى البحث عن شخصيات استثنائية فقط، بل إلى قراءة الوثائق التي تركتها الحياة اليومية، باعتبارها نافذة على تاريخ النساء اللواتي لم يجدن طريقهن إلى كتب التاريخ التقليدية.
من الأسواق إلى المحاكم.. نساء صنعن اقتصاداً لا يُروى
تكشف دراسة الباحث صائل مخلوف حول عمالة المرأة في حلب خلال القرن الثامن عشر، المستندة إلى وثائق المحاكم الشرعية المحفوظة في دار الوثائق التاريخية بدمشق، عن صورة مختلفة للمرأة السورية في الحياة الاقتصادية.
فالوثائق تشير إلى نساء امتلكن العقارات، وأجرن واستأجرن، وبعن واشترين، ومارسن أعمالاً صناعية وحرفية، وشاركن في أنشطة اقتصادية واجتماعية متعددة، رغم القيود التي فرضها المجتمع آنذاك على عمل المرأة وحضورها المباشر في المجال العام.
لم يكن هذا النشاط محصوراً بالنساء المنتميات إلى طائفة دينية بعينها، بل امتد إلى شرائح اجتماعية مختلفة، بما يعكس تنوع التجربة النسائية في المدينة السورية.
وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها لا تقدم المرأة بوصفها موضوعاً في رواية الآخرين فحسب، بل تكشف عنها باعتبارها صاحبة ملكية ومصلحة وحقوق ومطالب، تلجأ إلى القضاء وتدخل في علاقات تعاقدية وتدافع عن مصالحها.
وفي هذه التفاصيل الصغيرة، يظهر تاريخ اقتصادي واجتماعي كامل، ظل طويلاً أقل حضوراً من تاريخ الحكام والحروب والتحولات السياسية.
التعليم.. بداية التحول من الحياة الخاصة إلى المجال العام
شهدت أواخر القرن التاسع عشر تحولات مهمة في تعليم الفتيات في سورية العثمانية، مع توسع المدارس الحكومية والأهلية والتبشيرية، وتزايد المبادرات المحلية التي دفعت باتجاه تعليم النساء.
وتشير دراسة حديثة للباحث فارس الأتاسي، منشورة عام 2026 في مجلة «أسطور للدراسات التاريخية»، إلى أن تعليم البنات شهد زخماً متزايداً بين عامي 1880 و1918، وأن المبادرات المجتمعية لعبت دوراً مهماً في توسيع فرص التعليم، حتى في ظل محدودية التمويل الحكومي المباشر.
لم يكن التعليم مجرد اكتساب للقراءة والكتابة، بل تحول تدريجي في موقع المرأة داخل المجتمع، إذ أتاح لها الانتقال إلى التدريس والكتابة والعمل الأهلي، وفتح المجال أمام ظهور أصوات نسائية بدأت تناقش قضايا التعليم والحقوق والمشاركة العامة.
ومع بدايات القرن العشرين، لم تعد المرأة المتعلمة مجرد استثناء اجتماعي، بل أصبحت جزءاً من حركة ثقافية أخذت تتوسع في المدن السورية.
أسماء كسرت الصمت.. من الصحافة إلى العمل السياسي
برزت خلال تلك المرحلة شخصيات نسائية تركت أثراً واضحاً في الحياة الثقافية والسياسية، من بينها نازك العابد، التي أسهمت في تأسيس جمعيات نسائية والعمل الأهلي، وماري عجمي، التي خاضت تجربة الكتابة والصحافة وأصدرت مجلة «العروس»، وثريا الحافظ، التي شاركت في تأسيس صحيفة «بردى» عام 1945، ودفعت باتجاه حقوق المرأة السياسية والاجتماعية.
لكن أهمية هذه الأسماء لا تكمن فقط في كونها رائدات، بل في أنها تكشف عن مسار أوسع من التحولات التي شهدها المجتمع السوري، حيث انتقلت النساء تدريجياً من مواقع محدودة المشاركة إلى فضاءات الصحافة والتعليم والعمل المدني والسياسي.
ومع ذلك، فإن اختزال تاريخ المرأة السورية في هذه الشخصيات وحدها قد يعيد إنتاج مشكلة التهميش نفسها، إذ تبقى آلاف النساء اللواتي عملن في الزراعة والتجارة والحرف والصناعات المنزلية خارج دائرة الاهتمام، رغم أن مساهماتهن شكلت جزءاً أساسياً من الاقتصاد والمجتمع.
الحرف والذاكرة.. تاريخ النساء الذي لم تحفظه الكتب
في المدن والريف السوريين، ارتبطت النساء عبر أجيال بصناعات النسيج والتطريز وإنتاج الأغذية والأعمال المنزلية المدرة للدخل، إلى جانب المشاركة في الزراعة وتربية المواشي وتسويق منتجاتها.
وتشير دراسات حول النساء الريفيات في سورية إلى أن العمل الزراعي وإنتاج الغذاء لم يكونا مجرد نشاطين اقتصاديين، بل شكلا جزءاً من شبكة اجتماعية تربط الريف بالمدينة، وتؤثر في حياة الأسر واستقرارها، رغم أن الروايات الوطنية والاقتصادية غالباً ما همشت هذه الأدوار أو تعاملت معها باعتبارها امتداداً طبيعياً للعمل المنزلي.
ومن هنا، يصبح توثيق الحرف النسائية وأسماء العاملات وأساليب الإنتاج والذاكرة الشفوية ضرورة ثقافية، لا مجرد محاولة لاستعادة مهن قديمة، لأن وراء كل حرفة تاريخاً من المعرفة المتوارثة والعمل والخبرة الاقتصادية التي لم تكن دائماً موضع اعتراف.
تاريخ ناقص يحتاج إلى إعادة كتابة
إن استعادة تاريخ المرأة السورية ليست محاولة لتجميل الماضي أو تقديم رواية بديلة مثالية، بل قراءة أكثر اكتمالاً لتاريخ المجتمع نفسه. فالنساء لم يعشن خارج التحولات السياسية والاقتصادية، بل كنّ جزءاً منها، تأثرن بقيودها وأسهمن في تغييرها، أحياناً عبر التعليم والعمل المنظم، وأحياناً من خلال أنشطة يومية لم تجد طريقها إلى السجلات الرسمية.
وتطرح هذه القراءة سؤالاً ثقافياً يتجاوز الماضي: لماذا بقيت مساهمات النساء أقل حضوراً في المناهج التعليمية والذاكرة العامة، رغم وجود وثائق ودراسات تسمح بإعادة اكتشافها؟ وما الذي يمكن أن تكشفه سجلات المحاكم والوقف والمدارس والمراسلات العائلية عن نساء لم تصل أسماؤهن إلى كتب التاريخ؟
إن الإجابة تبدأ من التعامل مع التاريخ النسائي بوصفه جزءاً أصيلاً من التاريخ السوري، لا ملحقاً به، ومن توسيع البحث ليشمل المدن والقرى، والنساء المتعلمات والعاملات، والشخصيات المعروفة والنساء المجهولات.
فالتاريخ السوري الذي لا يرى النساء في أسواقه ومدارسه وحقوله وورشاته، ولا يتوقف عند أعمالهن وأفكارهن ومطالبهن، يبقى تاريخاً ناقصاً مهما كثرت فيه أسماء الرجال والأحداث.
والمرأة السورية لم تكن غائبة عن التاريخ بقدر ما كانت غائبة عن الرواية التي اختارت أن تكتبه.