شهدت العاصمة دمشق في 14 و15 أيلول الجاري اجتماعات اقتصادية سورية–أميركية بمشاركة نحو 50 شركة وأكثر من 80 ممثلاً عن قطاع الأعمال الأميركي، في واحدة من أبرز التحركات الاقتصادية بين الجانبين خلال المرحلة الأخيرة، وسط اهتمام متزايد بفرص الاستثمار في السوق السورية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية والتكنولوجيا والزراعة والصحة.
وتأتي هذه الاجتماعات في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة فتح الاقتصاد أمام الاستثمارات الخارجية، فيما تبدو الشركات الأميركية أمام سوق ما زالت في مرحلة إعادة البناء وتحتاج إلى استثمارات كبيرة في قطاعات أساسية. وناقشت اللقاءات البيئة القانونية والمالية، والمشروعات المتاحة، وإمكانية بناء شراكات مع القطاع الخاص السوري، إلى جانب العقبات التي يمكن أن تواجه الشركات عند الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الاستثمار الفعلي.
من الاستكشاف إلى الاستثمار
لا تبدو الشركات الأميركية المشاركة في مستوى واحد من الاهتمام بالسوق السورية. فبعضها حضر بهدف التعرف إلى طبيعة السوق والفرص المتاحة والبحث عن شركاء محليين، بينما قطعت شركات أخرى خطوات أكثر تقدماً في دراسة مشاريع محددة.
وتضم قائمة القطاعات التي حظيت باهتمام أميركي الطاقة والنفط والغاز والهندسة والإنشاءات والخدمات المالية والاتصالات والتكنولوجيا، إلى جانب الصحة والزراعة والنقل والخدمات القانونية وإدارة المخاطر. كما برزت أسماء شركات أميركية كبيرة ضمن الحراك الاقتصادي، بينها Chevron وHKN Energy وVisa وMastercard، فيما ظهرت Hunt Oil ضمن الشركات المرتبطة بمناقشات قطاع الطاقة.
وكانت الاتصالات حول قطاع النفط والغاز قد بدأت قبل اجتماعات دمشق، إذ عقد مسؤولون سوريون لقاءات في واشنطن مع شركات أميركية، بينها Chevron وHunt Oil وBaker Hughes، لبحث فرص التعاون والاستثمار في قطاع الطاقة السوري وتطويره.
الطاقة في مقدمة الاهتمام
يحظى قطاع الطاقة بأهمية خاصة في الحسابات الاستثمارية الأميركية، نظراً إلى حاجته الكبيرة لإعادة التأهيل والتطوير، سواء في مجال النفط والغاز أو البنية التحتية وشبكات الطاقة.
وفي الوقت نفسه، فإن إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية السورية تحتاج إلى استثمارات تتجاوز الطاقة، لتشمل النقل والاتصالات والمصارف والصناعة والخدمات. وهذا ما يفسر تنوع الوفد الأميركي وعدم اقتصاره على شركات النفط والطاقة.
ويرى مسؤولون أميركيون أن الشركات بدأت بالفعل خطوات أولية لدخول السوق السورية، فيما يمكن أن تتحول الاتصالات الحالية إلى مذكرات تفاهم ثم إلى عقود وشراكات طويلة الأجل.
لكن الانتقال من الاتفاقات الأولية إلى الاستثمارات الفعلية يبقى هو الاختبار الأهم، إذ لا يكفي حضور الشركات إلى دمشق أو إعلان اهتمامها بالسوق لتأكيد دخول رؤوس الأموال إليها.
اقتصاد جديد أمام اختبارات قديمة
تواجه سوريا، في المقابل، مجموعة من التحديات التي يمكن أن تؤثر في قدرة البلاد على استقطاب الاستثمارات الخارجية. فالشركات تحتاج إلى بيئة قانونية واضحة، ونظام مالي قادر على تسهيل التحويلات، وإجراءات إدارية أقل تعقيداً، إضافة إلى مستوى من الاستقرار السياسي والأمني يسمح للمستثمر بتقدير المخاطر على المدى الطويل.
وتشير تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن مخاطر السياسة والاستقرار والحوكمة والقدرات المؤسسية لا تزال من أبرز العوامل التي ينبغي التعامل معها قبل الوصول إلى تدفق استثماري واسع ومستدام.
وهنا تواجه الحكومة السورية اختباراً مزدوجاً: جذب الشركات الأجنبية من جهة، وإقناعها بأن السوق السورية لا توفر فرصاً استثنائية فقط، وإنما تمتلك أيضاً القواعد والإجراءات التي تحمي استثماراتها وتسمح لها بالعمل ضمن إطار واضح.
عندما يصبح الاقتصاد جزءاً من السياسة
يحمل الانفتاح الاقتصادي الأميركي على سوريا أبعاداً تتجاوز الحسابات التجارية البحتة. فواشنطن أعلنت تشجيع الشركات الأميركية على دخول السوق السورية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين تحولاً في طبيعة التواصل الاقتصادي والسياسي.
لكن ذلك لا يعني أن الشركات ستندفع بصورة تلقائية إلى ضخ استثمارات ضخمة. فالشركات الأميركية، مثل غيرها من المستثمرين الدوليين، ستنظر إلى الجدوى الاقتصادية والمخاطر والضمانات القانونية وقدرة المؤسسات السورية على تنفيذ الالتزامات قبل اتخاذ قرارات طويلة الأجل.
ومن هنا، فإن الحضور الأميركي الحالي يمكن اعتباره مرحلة اختبار متبادل؛ دمشق تختبر قدرة الاقتصاد على جذب المستثمرين، بينما تختبر الشركات الأميركية البيئة السورية قبل اتخاذ قرار الدخول الفعلي.
الفرصة لا تكفي وحدها
تمتلك سوريا قطاعات واسعة تحتاج إلى إعادة تأهيل، وهو ما يوفر فرصاً محتملة أمام المستثمرين، لكن تحويل هذه الحاجة إلى استثمارات حقيقية يتطلب أكثر من تقديم قائمة بالمشاريع.
فالاستثمار يحتاج إلى إجراءات واضحة وسريعة، وشفافية في منح العقود، وتنافسية بين الشركات، وإطار قانوني مستقر، فضلاً عن سوق مالية ومصرفية قادرة على التعامل مع حركة رؤوس الأموال. كما أن نجاح الاستثمارات الأجنبية يرتبط بقدرتها على خلق قيمة مضافة محلية، وتوفير فرص عمل، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، وليس فقط بتنفيذ مشاريع منفصلة عن الاقتصاد المحلي.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية توجهها نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً ودور أكبر للقطاع الخاص، مع التأكيد على تقليل الاعتماد على الإجراءات القائمة على التراخيص والموافقات الحكومية والتحول نحو سوق أكثر تنافسية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد مغادرة الوفود
يمثل وصول عشرات الشركات الأميركية إلى دمشق مؤشراً على تغير واضح في مستوى الاهتمام بالسوق السورية، لكنه لا يمثل بحد ذاته استثماراً فعلياً.
فالمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت الاجتماعات ستنتج مذكرات تفاهم واتفاقات قابلة للتنفيذ، وما إذا كانت الشركات التي استكشفت السوق ستنتقل إلى تأسيس مشاريع وشراكات حقيقية.
وبالنسبة إلى الاقتصاد السوري، فإن أهمية هذه الاجتماعات لا تكمن فقط في أسماء الشركات المشاركة، وإنما في قدرة الحكومة على تحويل الاهتمام الخارجي إلى نشاط إنتاجي فعلي، واستثمارات توفر فرص العمل وتعيد تشغيل القطاعات المتضررة.
أما بالنسبة إلى الشركات الأميركية، فالسوق السورية تبدو حافلة بالاحتياجات والفرص، لكنها في الوقت نفسه سوق عالية المخاطر وتتطلب قرارات استثمارية محسوبة. وبين حجم الفرص وحجم المخاطر ستتحدد المرحلة المقبلة من العلاقات الاقتصادية السورية–الأميركية، وسيظهر ما إذا كان انفتاح دمشق على الشركات الأميركية سيتحول من لقاءات واستكشاف إلى استثمارات طويلة الأجل.