لكل السوريين

جعدة المغارة.. حين تحوّل جدار على الفرات إلى واحدة من أقدم لوحات الإنسان

على الضفة الشرقية لنهر الفرات، في موقع جعدة المغارة شمالي سوريا، ترك الإنسان قبل نحو 11 ألف عام أثراً يتجاوز حدود السكن والحياة اليومية، بعدما حوّل جدران مبنى جماعي إلى مساحة مزينة برسومات هندسية ملونة. وبين الأحمر والأسود والأبيض، تبدو تلك الرسومات اليوم شاهداً مبكراً على علاقة الإنسان بالفن، وعلى قدرته على تحويل المواد المتاحة في بيئته إلى وسيلة للتعبير والتزيين.

ويُعد موقع جعدة المغارة من المواقع الأثرية المهمة لفهم مرحلة التحول التي شهدها الإنسان في بلاد الشام من أنماط حياة الصيد والجمع نحو الاستقرار وبدايات الزراعة. واكتُشف الموقع عام 1991، وكشفت أعمال التنقيب فيه عن استيطان متواصل تقريباً لنحو ألف عام، يعود إلى الفترة الممتدة بين نحو 11 و10 آلاف سنة مضت، وهي مرحلة محورية في تاريخ العصر الحجري الحديث.

«بيت الرسومات».. مبنى مختلف عن البيوت التقليدية

من بين أبرز ما كشفته التنقيبات الأثرية في الموقع مبنى عُرف باسم «بيت الرسومات»، ويُعتقد أنه لم يكن منزلاً عادياً مخصصاً للأسرة، بل مبنى ذا طابع جماعي. وتصف الدراسات الأثرية البناء بأنه شبه دائري وشبه محفور في الأرض، مع تصميم داخلي غير اعتيادي، الأمر الذي دفع الباحثين إلى ربطه بوظيفة اجتماعية أو جماعية، وإن بقيت وظيفته الدقيقة موضع نقاش علمي.

وتشير المعطيات المنشورة من الفريق الأثري إلى أن المبنى احتوى على مساحات وحجيرات داخلية، وأن تصميمه تطلب جهداً جماعياً في البناء، ما يدعم فرضية استخدامه من قبل مجموعة من سكان القرية. لكن الباحثين يحذرون من الجزم بأنه كان مكاناً للاحتفالات أو الطقوس تحديداً، إذ لا تسمح الأدلة المتاحة حتى الآن بتحديد وظيفته النهائية بصورة قاطعة.

وهنا تبرز أهمية «بيت الرسومات»؛ فالقيمة الحقيقية للمكان لا تكمن في اللوحات وحدها، وإنما في وجودها داخل مبنى يبدو أنه كان مخصصاً لاستخدام جماعي، ما يفتح الباب أمام قراءة الفن باعتباره جزءاً من الحياة الاجتماعية للإنسان في ذلك العصر.

هندسة على الجدران قبل آلاف السنين

تتميز الرسومات التي عُثر عليها في المبنى باستخدام واضح للأشكال الهندسية، بينها أنماط متكررة وتكوينات تعتمد على المربعات والمستطيلات والأشكال المتداخلة. وقد نفذت الألوان بصورة منظمة على خلفيات فاتحة، لتشكّل زخارف واسعة على الجدران.

وتصف الدراسات الحديثة هذه الرسومات بأنها من أقدم وأفضل الأمثلة المحفوظة نسبياً للرسوم الجدارية متعددة الألوان في الشرق الأدنى خلال العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار. كما أظهرت دراسة متخصصة نُشرت عام 2025 أن التكوينات الهندسية لم تكن عشوائية، بل اتبعت مبادئ واضحة في تنظيم المساحات وتكرار الوحدات والألوان.

ويرى الباحثون أن بعض الأنماط قد تكون مستوحاة من تقنيات زخرفية مرتبطة بالمنسوجات أو السلال المنسوجة، وهي فرضية تعطي الرسومات بعداً آخر، إذ يمكن أن تكون العمارة نفسها قد استوعبت أشكالاً مألوفة في الحياة اليومية وحوّلتها إلى زخرفة جدارية واسعة.

مواد من البيئة.. وفن يحتاج إلى معرفة

لم يكن الإنسان في جعدة المغارة يمتلك أدوات الرسم الحديثة، لكنه استطاع استثمار ما توفره البيئة المحيطة به. فقد استخدمت مواد طبيعية في إعداد الأسطح وتكوين الألوان، بينما جرى تجهيز الجدران بطبقات من المواد المناسبة لتوفير سطح يمكن تزيينه.

وتكشف عملية إعداد الجدران والرسم عليها عن معرفة عملية بخصائص المواد، وعن قدرة على مزجها واستخدامها بطريقة جعلت أجزاء من الألوان تصمد آلاف السنين. كما أن المحافظة النسبية على بعض الرسومات حتى العصر الحديث ارتبطت بطبيعة البناء وظروف حفظه، وهو ما سمح للباحثين بدراسة تفاصيلها وتركيبها.

وهذا الجانب يضيف قيمة خاصة إلى الموقع، لأن الرسومات لا تخبرنا فقط بما كان الإنسان يرسمه، وإنما تكشف أيضاً جانباً من التكنولوجيا البسيطة التي امتلكها في التعامل مع الطين والحجر والأصباغ والسطوح.

الفرات.. بيئة صنعت الاستقرار والفن

لم يكن اختيار المكان عشوائياً على الأرجح. فقد قامت جعدة المغارة في منطقة قريبة من الفرات، حيث وفرت البيئة مصادر متعددة للغذاء والمياه والمواد الخام. وتشير المعطيات الأثرية إلى أن سكان الموقع مارسوا الصيد، ولا سيما صيد الغزلان، كما تعاملوا مع حيوانات أخرى، وبدأوا في مرحلة لاحقة بمحاولات مبكرة لزراعة الحبوب التي كانت لا تزال في أشكالها البرية.

ومن هنا يصبح «بيت الرسومات» جزءاً من قصة أكبر بكثير من قصة لوحة قديمة؛ فهو يقع في منطقة كانت تشهد تحولات عميقة في نمط حياة الإنسان، من التنقل إلى الاستقرار، ومن الاعتماد الكامل على الصيد والجمع إلى إنتاج الغذاء، ومن المسكن الفردي إلى أشكال من التنظيم الاجتماعي الأكثر تعقيداً.

الفن بوصفه لغة جماعية

لا تقدم الرسومات إجابة مباشرة عن المعاني التي أراد سكان جعدة إيصالها، ولذلك لا يستطيع الباحثون اليوم الجزم بأنها كانت دينية أو احتفالية أو ذات وظيفة رمزية محددة.

لكن وجود زخارف واسعة ومنظمة داخل مبنى جماعي يشير إلى أن الرسم لم يكن بالضرورة فعلاً فردياً منعزلاً، وإنما ربما ارتبط بطريقة استخدام المكان وبالحياة الاجتماعية للجماعة. وتؤكد الدراسات الأثرية أن وظيفة المبنى نفسها لا يمكن تحديدها بشكل نهائي، إذ طُرحت احتمالات متعددة، بينها الاجتماع الجماعي أو ممارسة طقوس معينة أو استخدامات أخرى.

وبذلك، تبدو قيمة «بيت الرسومات» في الأسئلة التي يتركها بقدر ما تكمن في الإجابات التي يقدمها: لماذا اختار الإنسان تلك الأشكال؟ ولماذا خصّ هذا المبنى تحديداً بالزخرفة؟ وهل كانت الرسومات تحمل معنى مشتركاً يعرفه أفراد الجماعة، أم كانت جزءاً من تصور جمالي للمكان؟

من جعدة إلى متحف حلب

أدركت البعثات الأثرية أهمية حماية هذه الرسومات، خصوصاً أن الجدران والطبقات المزينة كانت معرضة للتلف. وتظهر الوثائق العلمية الخاصة بالموقع عمليات تدعيم للرسومات وتجهيز الأجزاء المزينة لفصلها عن البناء ونقلها على حوامل أكثر استقراراً، ضمن جهود الحفاظ عليها.

وتناولت أعمال التنقيب في الموقع أيضاً جوانب أخرى من حياة سكانه، من المساكن والموارد الغذائية إلى الممارسات الجنائزية. ويضم الموقع ما يُعرف بـ«بيت الموتى»، الذي احتوى في إحدى مراحله على رفات عشرات الأشخاص، ما يعكس تعقيداً اجتماعياً وثقافياً يتجاوز الصورة البسيطة عن القرى الأولى في عصور ما قبل التاريخ.

ذاكرة فنية عمرها آلاف السنين

تمنح جعدة المغارة سوريا واحداً من الشواهد النادرة على البدايات المبكرة للفن الجداري في الشرق الأدنى. فقبل ظهور المدن الكبرى والمعابد والقصور بآلاف السنين، كان سكان قرية صغيرة على الفرات يزينون فضاءهم الداخلي بأشكال هندسية وألوان مصنوعة من مواد البيئة.

ورغم أن الإنسان الحديث قد ينظر إلى تلك الرسومات بوصفها فناً تجريدياً، فإن إسقاط مفاهيم الفن المعاصر عليها يحتاج إلى حذر؛ فالمعنى الذي حملته الأشكال بالنسبة إلى أصحابها القدماء لا يمكن معرفته بصورة يقينية. ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن هذه الجدران تكشف عن مجتمع امتلك القدرة على التخطيط والبناء والتزيين، وعن إنسان لم يكتفِ بتأمين المأوى والغذاء، بل منح المكان أيضاً بعداً بصرياً ورمزياً.

وهكذا، لا يقف «بيت الرسومات» عند حدود كونه أثراً قديماً على ضفاف الفرات، بل يتحول إلى وثيقة مفتوحة عن لحظة مبكرة في تاريخ الإنسان السوري، حين بدأ الاستقرار يغيّر شكل المجتمع، وحين أصبح الجدار أكثر من مجرد جدار؛ مساحةً لحفظ الذاكرة، وتنظيم المكان، وربما التعبير عن أفكار ومشاعر لم تصل إلينا إلا عبر اللون والشكل.

وفي جعدة المغارة، بقيت تلك الألوان صامدة في وجه الزمن، لتقول إن الفن لم يظهر مع المدن والقصور، بل رافق الإنسان منذ أن امتلك مكاناً يعتبره بيتاً، وجماعة يعتبرها مجتمعاً، وجداراً رأى فيه مساحة تستحق أن تُزيّن.

- Advertisement -

- Advertisement -