تواصل البطالة فرض نفسها كواحدة من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأسرة السورية، في ظل صعوبات متزايدة في سوق العمل، وتراجع القدرة على تأمين فرص وظيفية مستقرة، خصوصاً أمام الشباب والخريجين الجدد.
ولا تقتصر تداعيات البطالة على غياب الدخل فقط، بل تمتد إلى جوانب اجتماعية واقتصادية أوسع، إذ تؤثر في مستوى المعيشة، وتزيد الضغوط على الأسر، في وقت تحتاج فيه سوق العمل إلى سياسات أكثر فاعلية قادرة على استيعاب الداخلين الجدد إليها.
سوق عمل يواجه اختلالات متراكمة
يرى عاملون في القطاع الخاص أن المشكلة لا ترتبط فقط بقلة فرص العمل، بل أيضاً بطبيعة الوظائف المتاحة ومستوى الأجور التي باتت في كثير من الحالات غير قادرة على مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويشير عدد من الباحثين عن عمل إلى أن الحصول على وظيفة مستقرة أصبح تحدياً كبيراً، خاصة مع ارتفاع أعداد الخريجين سنوياً مقارنة بقدرة السوق على توفير فرص مناسبة تتلاءم مع تخصصاتهم وخبراتهم.
فجوة بين التعليم واحتياجات السوق
ويؤكد مختصون أن أحد أسباب استمرار البطالة يعود إلى وجود فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، حيث يدخل عدد كبير من الشباب إلى الحياة المهنية من دون امتلاك المهارات التطبيقية المطلوبة لدى المؤسسات والشركات.
ويرى رجال أعمال أن دعم التدريب المهني وتطوير المهارات العملية يمكن أن يشكل خطوة أساسية لمعالجة جزء من المشكلة، إلى جانب توفير بيئة اقتصادية تشجع الاستثمار وتساعد المؤسسات على التوسع وخلق فرص عمل جديدة.
ويشيرون إلى أن ضعف النشاط الإنتاجي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة على التوسع لدى العديد من المنشآت كلها عوامل تحد من قدرة القطاع الخاص على استيعاب مزيد من العمالة.
الاستثمار والمشاريع الصغيرة كمسار للحل
يؤكد خبراء اقتصاديون أن معالجة البطالة تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد تتجاوز الحلول المؤقتة، عبر دعم القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق فرص عمل، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة والخدمات.
ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب إسمندر إلى أن البطالة في سوريا هي نتيجة تراكمات اقتصادية امتدت لسنوات، مرتبطة بضعف القطاعات الإنتاجية، وتراجع الاستثمارات، وخروج عدد من الكفاءات والخبرات إلى الخارج.
ويضيف أن بطالة الشباب والخريجين تمثل تحدياً مضاعفاً، لأنها لا تؤثر فقط على الدخل، بل تنعكس على الاستقرار الاجتماعي، وتزيد من احتمالات الفقر والهجرة، وتؤثر في قدرة الأسر على تحسين ظروفها المعيشية.
الحاجة إلى سياسات جديدة لسوق العمل
يرى اقتصاديون أن الحل يتطلب شراكة بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير برامج تدريبية مرتبطة باحتياجات السوق، وتشجيع ريادة الأعمال.
كما أن إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في امتصاص جزء من القوى العاملة، شرط توفير بيئة تشريعية واقتصادية تساعد على الاستثمار والنمو.
وتبقى البطالة في سوريا ملفاً مرتبطاً بشكل مباشر بمستقبل الأسرة وسوق العمل، إذ إن أي تحسن اقتصادي حقيقي يحتاج إلى خلق فرص عمل مستدامة تتيح للشباب المشاركة في الإنتاج، وتساعد الأسر على مواجهة تحديات المعيشة اليومية.