سوريات يكسرن جدار الصمت.. العنف الجنسي جرح الحرب المفتوح ومطلب العدالة لا يسقط بالتقادم
ناجيات يواجهن آثار الانتهاكات والوصمة الاجتماعية.. وحقوقيون يطالبون بمحاسبة مرتكبي الجرائم أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها
لم تنتهِ معاناة سوريات تعرضن للعنف الجنسي بانتهاء سنوات الحرب، فبعض الجراح التي خلفها النزاع لا تزال مفتوحة، فيما تواجه الناجيات تحدياً آخر لا يقل قسوة يتمثل في الوصمة الاجتماعية والخوف من الإفصاح عما تعرضن له.
وخلال أكثر من عقد من الصراع السوري، وثقت منظمات حقوقية وأممية أنماطاً متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الجنسي داخل أماكن الاحتجاز وفي سياق عمليات الخطف والهجمات العسكرية. ومع التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الأسد، ظهرت اتهامات جديدة بانتهاكات طالت نساء في مناطق مختلفة، ما أعاد ملف العنف الجنسي إلى واجهة النقاش حول العدالة والمحاسبة.
ولا تتعامل الناجيات مع القضية باعتبارها جزءاً من الماضي فقط، بل يطالب كثير منهن بفتح تحقيقات جدية تكشف المسؤولين عن الانتهاكات، سواء وقعت الجرائم خلال فترة النظام السابق أو خلال مراحل لاحقة من الصراع.
الخوف من المجتمع.. جرح ثانٍ
بالنسبة إلى كثير من الناجيات، لا ينتهي الألم بمجرد الخروج من مكان الاحتجاز أو انتهاء الخطر المباشر، إذ تبدأ مرحلة أخرى من الخوف، تتمثل في كيفية مواجهة الأسرة والمجتمع.
وتقول ناشطات في مجال حقوق المرأة إن عدداً من الناجيات فضلن الصمت لسنوات خشية أن تتحول الضحية إلى موضع اتهام، في مجتمع لا تزال فيه قضايا الاعتداء الجنسي محاطة بحساسية اجتماعية كبيرة.
وتشير حقوقيات إلى أن بعض النساء يخشين فقدان أسرهن أو وظائفهن أو فرصهن في التعليم والزواج إذا كُشف ما تعرضن له، الأمر الذي يجعل كثيراً من الحالات خارج نطاق التوثيق الرسمي.
وتؤكد ناشطات أن تحميل المرأة مسؤولية جريمة ارتكبها شخص آخر يمثل شكلاً إضافياً من أشكال العنف، ويمنح المعتدي فرصة للإفلات من المساءلة.
شهادات تختصر سنوات من الخوف
خلف الأرقام والتقارير الدولية، توجد قصص لنساء وفتيات حملن آثاراً نفسية واجتماعية عميقة نتيجة ما تعرضن له.
وتروي ناجيات، بأسماء مستعارة حفاظاً على سلامتهن، أنهن تعرضن للاحتجاز أو الخطف أو الاعتداء خلال سنوات الحرب، فيما تحدثت أخريات عن انتهاكات وقعت في سياق الأحداث العسكرية التي شهدتها مناطق سورية بعد سقوط النظام.
وتؤكد هذه الشهادات، التي تحتاج إلى تحقيقات مستقلة للتحقق من كل واقعة وتحديد المسؤوليات، أن الخوف كان عاملاً مشتركاً في كثير من الحالات، سواء بسبب تهديد الضحية أو أفراد أسرتها، أو بسبب الخشية من تبعات الكشف عن الجريمة.
وفي بعض الحالات، لم يكن الخوف من الجناة وحده هو العائق أمام الحديث، بل الخوف من رد فعل المجتمع أيضاً.
من سجون الحرب إلى ذاكرة الناجيات
شهدت سنوات النزاع السوري اتهامات واسعة باستخدام العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي في سياقات مختلفة، ولا سيما داخل أماكن الاحتجاز وخلال عمليات الخطف والتهجير.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع ظل من الملفات شديدة الحساسية في سوريا، مع وجود عوائق كبيرة أمام التوثيق والإبلاغ، من بينها الخوف من الانتقام والوصمة الاجتماعية وصعوبة الوصول إلى الخدمات المتخصصة.
كما وثقت جهات أممية انتهاكات واسعة خلال أحداث الساحل السوري في مارس/آذار 2025، في سياق أعمال عنف استهدفت مدنيين، ودعت إلى التحقيق في جميع الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين توثيق الانتهاكات وإدانة المسؤولين عنها من جهة، وبين إصدار أحكام مسبقة بحق أفراد أو مجموعات من جهة أخرى، إذ تبقى مهمة تحديد المسؤوليات من اختصاص التحقيقات المستقلة والقضاء.
العدالة لا تتجزأ
ترى ناشطات وحقوقيون أن أحد أهم شروط بناء مرحلة جديدة في سوريا هو التعامل مع الجرائم وفق معيار واحد، بعيداً عن هوية الضحية أو الجاني وانتمائه السياسي أو العسكري والطائفي والقومي.
فالناجية التي تعرضت للعنف خلال فترة النظام السابق، والمرأة التي تعرضت لانتهاك خلال مرحلة لاحقة، يجب أن تحصلا على الحماية نفسها وحق الوصول إلى العدالة نفسها.
ويقول حقوقيون إن الانتقال السياسي لا يكتمل من دون معالجة إرث الانتهاكات، بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالعنف الجنسي، معتبرين أن تجاهل هذه الملفات قد يؤدي إلى إعادة إنتاج ثقافة الإفلات من العقاب.
ما بعد الصمت.. ماذا تحتاج الناجيات؟
لا تحتاج الناجيات إلى التعاطف وحده، بل إلى منظومة متكاملة من الحماية والدعم.
وتشمل هذه المنظومة توفير خدمات نفسية وطبية متخصصة، ومساعدة قانونية مجانية، وضمان سرية المعلومات، وحماية الشهود، وتأمين آليات آمنة للإبلاغ، إضافة إلى إجراءات قضائية تراعي خصوصية الناجيات وتمنع إعادة إيذائهن أثناء التحقيق والمحاكمة.
كما تبرز الحاجة إلى برامج اجتماعية تساعد الناجيات على استعادة حياتهن الطبيعية، والعودة إلى التعليم والعمل، بعيداً عن أي تمييز أو إقصاء بسبب الجرائم التي تعرضن لها.
وترى ناشطات أن الإعلام يتحمل بدوره مسؤولية كبيرة في هذا الملف، من خلال تجنب نشر التفاصيل التي قد تكشف هوية الضحية أو تعيد إنتاج الوصمة، والتركيز بدلاً من ذلك على المسؤولية القانونية والحقوقية للمتورطين.
كسر الصمت ليس نهاية الألم.. بل بداية الطريق
في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام، تبدو قضية الناجيات من العنف الجنسي واحدة من أكثر الملفات حساسية في مسار العدالة الانتقالية.
فكسر الصمت لا يعني مطالبة المرأة بسرد تفاصيل تجربتها أمام الجميع، وإنما توفير بيئة تستطيع فيها الحديث عندما تكون مستعدة، وبالطريقة التي تحمي كرامتها وسلامتها.
وتبقى الرسالة الأهم التي تحاول الناجيات إيصالها واضحة: الجريمة ليست عاراً على من تعرضت لها، وإنما مسؤولية من ارتكبها ومن سمح له بالإفلات من العقاب.
وبينما تتجه سوريا إلى مرحلة جديدة، فإن اختبار العدالة الحقيقي لن يكون فقط في تغيير المؤسسات أو القوانين، بل في قدرة الدولة والمجتمع على حماية الضحايا، وكشف الحقيقة، ومحاسبة الجناة، ومنع تكرار الانتهاكات.
فالسلام الذي لا يحمي النساء، والعدالة التي تستثني بعض الضحايا، لا يمكن أن يشكلا أساساً لمجتمع يتطلع إلى تجاوز إرث الحرب.
ومن هنا، فإن كسر الناجيات لجدار الصمت ليس مجرد رواية لماضٍ مؤلم، بل مطالبة صريحة بأن تكون العدالة واحدة للجميع، وأن تتحول حماية المرأة وكرامتها من شعار إلى حق مضمون بالقانون.
وكالات