لكل السوريين

نقص الأطباء والحواضن يفاقم أزمة رعاية الأطفال الخدّج في مستشفيات درعا

درعا/ رجاء مختار

في أروقة مستشفيات محافظة درعا، تتكثف أزمة صامتة لكنها قاسية، عنوانها نقص الأطباء والحواضن، وضحاياها الأطفال الخدّج الذين يولدون قبل اكتمال نموهم، ويحتاجون إلى رعاية دقيقة ومتخصصة في الساعات والأيام الأولى من حياتهم.

هذه الأزمة، التي تتقاطع فيها عوامل نقص الكوادر الطبية، وتهالك التجهيزات، وضعف الدعم، باتت تهدد حق هؤلاء الأطفال في الحياة، وتضع عائلاتهم أمام اختبارات نفسية وإنسانية قاسية.

تعاني مستشفيات درعا الحكومية من ضغط متزايد على أقسام الحواضن، في وقت لا يتناسب فيه عدد الأطباء المختصين مع أعداد الولادات المبكرة. طبيب أطفال واحد قد يكون مسؤولاً عن متابعة عشرات الحالات في مناوبة واحدة، فيما تعمل الممرضات بإمكانات محدودة وساعات طويلة.

ومع غياب عدد كافٍ من الحواضن الحديثة، تُضطر الكوادر إلى اتخاذ قرارات صعبة: أي طفل يحصل على الحاضنة، ومن يُنقل إلى مستشفى آخر يبعد عشرات الكيلومترات، وربما لا يحتمل جسده الصغير رحلة كهذه.

وُلدت “ليان” في شهرها السابع داخل مستشفى درعا الوطني. كانت تزن أقل من كيلوغرامين وتعاني من صعوبات في التنفس. تروي والدتها، أم محمد، كيف وقفت لساعات في الممر وهي تنتظر خبراً مطمئناً: “قالوا لي لا توجد حاضنة شاغرة الآن. كنت أرى الضوء الأزرق في الغرفة المجاورة وأتمنى لو تُفتح لنا”.

بعد ساعات من الانتظار، توفرت حاضنة قديمة كانت تعمل بشكل متقطع. قضت ليان أيامها الأولى بين انقطاع كهرباء متكرر ومحاولات حثيثة من الطاقم الطبي للحفاظ على استقرارها. نجت ليان، لكن قصتها تركت أثراً عميقاً في نفس والدتها، التي تقول إن الخوف لم يفارقها حتى بعد العودة إلى المنزل.

ولا يقتصر التحدي على نقص الحواضن فحسب، بل يمتد إلى غياب الأطباء المختصين برعاية الخدّج. كثير من الأطباء غادروا المحافظة خلال السنوات الماضية بحثاً عن ظروف عمل أفضل أو أمان وظيفي أكبر. من بقي منهم يعمل تحت ضغط هائل، مع نقص في التدريب المستمر والأدوية المتخصصة.

ويقول أحد الأطباء العاملين في قسم الأطفال، طالباً عدم ذكر اسمه: “نحن لا نواجه المرض فقط، بل نواجه الوقت، ونقص الإمكانيات، والإرهاق. أحياناً نضطر للاعتماد على خبرتنا الشخصية بدل بروتوكولات حديثة غير متوفرة”.

في قرية ريفية قريبة من درعا، وُلد “سامر” بوزن منخفض جداً، ما استدعى نقله فوراً إلى المستشفى. بعد الفحص الأولي، تبين أن جميع الحواضن ممتلئة. بدأ سباق مع الزمن، حيث تنقلت العائلة بين مستشفيين بحثاً عن مكان شاغر. في النهاية، تم نقل سامر إلى محافظة مجاورة بعد ساعات طويلة في سيارة إسعاف بسيطة.

وتقول جدته: “كنا نخشى أن نفقده في الطريق. كل دقيقة كانت تمر كأنها ساعة”. نجا سامر، لكنه لا يزال يعاني من مشاكل صحية تتطلب متابعة طويلة، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على عائلة محدودة الدخل.

تترك هذه الأزمة آثاراً تتجاوز الجانب الطبي. فالأمهات يعشن حالات قلق مستمر، والخوف من فقدان الطفل يصبح رفيقاً دائماً. بعض العائلات تضطر لبيع ممتلكاتها لتغطية تكاليف نقل أو علاج خاص، فيما تتفاقم الفجوة بين من يستطيع الوصول إلى خدمات أفضل ومن لا يملك سوى انتظار الفرج. كما تؤدي هذه الظروف إلى تراجع الثقة بالمنظومة الصحية، وزيادة الاعتماد على الحلول الفردية أو البديلة.

ورغم الصورة القاتمة، تظهر بين الحين والآخر مبادرات صغيرة تحاول سد جزءاً من الفجوة. تبرعات أهلية لتأمين حاضنة مستعملة، أو حملات تطوعية لدعم أقسام الأطفال بالمستلزمات الأساسية. بعض الأطباء الشباب يبذلون جهداً إضافياً للبقاء وتقديم ما يستطيعون، مدفوعين بإحساس عميق بالمسؤولية. لكن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى غير كافية أمام حجم الحاجة.

إن معالجة أزمة رعاية الأطفال الخدّج في درعا تتطلب خطة متكاملة، تبدأ بتأمين حواضن حديثة وصيانتها بشكل مستمر، مروراً بتشجيع الكوادر الطبية على البقاء من خلال تحسين ظروف العمل والتدريب، وصولاً إلى دعم نفسي واجتماعي للعائلات. الاستثمار في هذا القطاع ليس ترفاً، بل ضرورة إنسانية، لأن كل طفل خدّج هو حياة قابلة للنمو إذا ما أُتيحت لها الفرصة.

تبقى قصص ليان وسامر وغيرهما تذكيراً حياً بأن الأرقام والإحصاءات تخفي وراءها وجوهاً صغيرة وقلوباً معلقة بالأمل. أزمة الأطباء والحواضن في درعا ليست مجرد نقص في الموارد، بل اختباراً حقيقياً لضمير المجتمع وقدرته على حماية أضعف أفراده.

- Advertisement -

- Advertisement -