لكل السوريين

انتشار النرجيلة بين الأطفال في حدائق دمشق.. ظاهرة مقلقة تهدد الصحة

دمشق/ مرجانة إسماعيل

أصبح مشهد الأطفال وهم يجلسون بين طاولات المقاهي أو على المقاعد البلاستيكية في شوارع دمشق وحدائقها العامة، ممسكين بشفّة النرجيلة أمراً متكرراً يثير مخاوف الأهالي والعاملين في القطاع الصحي على حد سواء. هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على البالغين في المقاهي التقليدية فحسب، بل تجاوزتها إلى الأطفال والمراهقين الذين يتجمعون حول أنابيب التدخين في أماكن يُفترض أنها مخصصة للعبهم واستمتاعهم بأوقات الفراغ، وسط غياب رقابة فعّالة أو وعي كافٍ بخطورة هذا السلوك على صحتهم ومستقبلهم.

في حديقة عامة قرب ساحة العباسيين، تجلس مجموعة من الشباب الصغار، بعضهم لا يتجاوز سن الحادية عشرة، يدخنون النرجيلة بنهم، يروونها كنوع من المرح أو التقليد لما يرونه من البالغين، فيما تبقى صحّة الرئة بعيدًا عن أولوياتهم أو إدراكهم الكامل لها. يقول والد أحد الأطفال، الذي شاهد ابنه في الحديقة مؤخراً يحمل خرطوم النرجيلة، إنه شعر بالصدمة والقلق: “لم أكن أتوقع أن يرى ابني هذا المشهد في مكان عام، وأن يعود إلى البيت مدخناً، كأنه يقلّد الكبار”، مضيفاً أنه حاول المناداة على إدارة الحديقة للمراقبة، لكن لا أحد يبدو معنياً بما يحدث.

وتتعدّد قصص الأهالي الذين يشكون من انتشار هذه العادة بين أبنائهم، معتبرين أن غياب أماكن ترفيه آمنة للأطفال وضعف الرقابة على المقاهي العشوائية في الحدائق قد شكّل بيئة مناسبة لتغلغل هذه الظاهرة. أم فراس، أم لثلاثة أطفال، تقول إنها عندما ذهبت مع عائلتها إلى إحدى الحدائق القريبة من شارع بغداد، فوجئت بأطفال يمسكون بخرطوم النرجيلة بجانب آبائهم أو حتى بمفردهم: “كنت أظن أن الحدائق هي مكان للعب الأطفال، لكن اليوم أصبحت هذه الأماكن مواقع لتدخين النرجيلة، حتى بين من لا يعرفون خطرها”.

وتضيف أن كثيراً من الأهالي في الحي باتوا يخشون إرسال أطفالهم إلى الحدائق بمفردهم، خوفاً من تعرضهم لهذه التجربة.

وليس من الصعب إيجاد مبررات بين الأطفال والمراهقين لهذا السلوك. بالنسبة لهم، تدخين النرجيلة في الحديقة أو المقهى يبدو نشاطاً اجتماعياً ممتعاً، وسلوكاً للكبار يريدون تقليده، أو حتى وسيلة للترفيه عن أنفسهم في غياب بدائل ثقافية وترفيهية مناسبة ومفتوحة أمام صغار السن. في إحدى الجلسات المسائية في حديقة الرمل، يقول مجموعة من المراهقين الذين تجمعوا حول أنبوب النرجيلة إن “الجلسة مع المعسل والضحك مع الأصدقاء هي ما يميز وقت الفراغ”، معتبرين أن الأمر لا يعدو كونه “متعة مؤقتة”. هذه التصريحات تعكس مدى تفشي الفكرة بين فئات لا تزال في طور التكوين، وهو ما يُضاعف المخاطر الصحية والاجتماعية.

من الجانب الصحي، يرى مختصون أن هذه الظاهرة تشكل أزمة حقيقية، إذ أن جسم الطفل أكثر عرضة لتأثيرات التدخين من جسم البالغ، وأن استهلاك النرجيلة قد يؤدي إلى مشاكل تنفسية وقلبيّة مزمنة، فضلاً عن الإدمان على النيكوتين.

كما أن التدخين في الأماكن العامة أمام الأطفال يعطي رسالة ضمنية بأن هذا السلوك مقبول ومألوف، ما يقلّل من حساسية المجتمع تجاه مخاطره. ومع ضعف تطبيق القوانين التي تحظر بيع التبغ لمن هم دون سن الثامنة عشرة أو منع تقديم النرجيلة للأطفال، تزداد المشكلة تعقيداً.

الأهالي يشيرون أيضاً إلى أن بعض المقاهي العشوائية المنتشرة في الحدائق لا تقتصر على تقديم النرجيلة للكبار فقط، بل تُسهّل وصولها للأطفال أيضاً، إما بمباركة من بعض الأهالي أو لمجرد غياب الرقابة والإجراءات القانونية الصارمة. هذا الواقع دفع بعض الأسر إلى الدعوة لوجود حملات توعية أكثر فعالية، وأن تكون هناك قوانين واضحة تُطبق بصرامة لحماية الأطفال من أضرار التدخين المبكر.

الأطفال أنفسهم يدركون في كثير من الأحيان أن تدخين النرجيلة ليس صحياً، لكن رغبتهم في الانتماء لمجموعة الأصدقاء، والرغبة في تقليد الكبار، تجعلهم يتجاهلون هذه الحقائق. إحدى الفتيات في الحادية عشرة من عمرها تقول بأنها بدأت تدخين النرجيلة لأنها “رأت أصدقاءها يفعلون ذلك ويضحكون”، معتبرة أن الأمر ليس مدمناً بقدر ما هو “عادة مسلية”. هذه التصريحات تكشف عن عمق المشكلة، وكيف أن النظرة الشبابية لهذه الممارسات تختلف كثيراً عن نظرة الخبراء والمختصين.

وبينما يبقى انتشار النرجيلة بين الأطفال في حدائق دمشق ومقاهيها العشوائية مؤشراً مقلقاً على تغيّر السلوكيات الاجتماعية، تؤكد الأهالي والمراقبون أن الحل لا يقتصر على منعها فقط، بل يتطلب توعية مجتمعية واسعة، وتوفير بدائل ترفيهية صحية، فضلاً عن تعزيز الرقابة وتطبيق القوانين بشكل صارم لحماية الطفولة من هذه المخاطر المتزايدة.

- Advertisement -

- Advertisement -