غادة علي – الرقة
بعد عام على سقوط النظام البعثي، تبدو مدينة الرقة شمالي سوريا مرآة واضحة للتغيرات التي تشهدها البلاد في مرحلة ما بعد النظام.
فقد التقت صحيفة السوري عدداً من الأهالي لاستطلاع آرائهم حول واقع الحريات والخدمات والأمن في سوريا، وما تحقق خلال العام الماضي، وما ينتظرونه في العام الجديد على طريق بناء دولة حديثة ومجتمع أكثر تماسكاً.
يرى كثير من سكان الرقة أن مستوى الحريات الإعلامية والمدنية والسياسية أصبح مؤشراً رئيسياً لقياس عمق المرحلة الانتقالية، ورغم أن الأمور لم تستقر بعد بالشكل المطلوب، فإن معظم الآراء تجمع على أن ما تحقق خلال العام المنصرم يشكل انعطافة حقيقية، حتى لو كان الطريق أمامهم لا يزال طويلاً وشاقاً.
كما يعبّر كثير من الأهالي عن استيائهم من الأسلوب الذي تتبعه الحكومة السورية الانتقالية في إدارة البلاد خلال العام الأول بعد سقوط النظام، إذ يرى سكان الرقة وعدد من الناشطين أن الخطاب الرسمي ما يزال يعتمد على مركزية مفرطة، ولا يعكس التعدد الحقيقي للمكونات السورية.
فرغم الحديث المتكرر عن “شراكة وطنية”، إلا أن القرارات الأساسية تُصاغ غالباً في دوائر ضيقة، من دون إشراك فعلي للمجتمعات المحلية أو ممثليها في الشمال والشرق والجنوب، ويعتبر الكثيرون أن هذا النهج يعيد إنتاج بعض ممارسات النظام السابق، ولو بصيغة جديدة.
وفي الوقت الذي تُطرح فيه شعارات تتعلق بالمواطنة والمشاركة، يواجه أبناء المكونات القومية والدينية شعوراً متزايداً بأن دورهم في صنع السياسات لا يتجاوز المستوى الرمزي.
فالإدارة الانتقالية لم تُفعّل حتى اليوم آليات شفافة تتيح تمثيلاً حقيقياً للعرب والكرد والسريان والآشوريين والتركمان، ولا للمجتمع المدني الذي يحمل خبرة واسعة في إدارة الشؤون العامة خلال سنوات الفراغ السياسي السابقة.
كما يشير ناشطون إلى أن تجاهل خصوصية المناطق وتنوعها الاجتماعي يضاعف من التوترات، ويؤخر بناء الثقة بين السلطات الجديدة والمجتمع.
ويرى البعض أن غياب الشراكة الحقيقية في إدارة البلاد لا يؤثر فقط على الحاضر، بل على مستقبل العملية السياسية برمتها، فاستبعاد المكونات من مراكز القرار يضعف شرعية الحكومة الانتقالية، ويجعل عملية الانتقال الديمقراطي هشة وقابلة للارتداد.
أحمد الحسن، تاجر أقمشة في سوق الرقة، يصف العام الأول بعد التغيير بأنه عام “التحرر النسبي من الخوف” مع تحسن واضح في الخدمات الأساسية وخاصة الكهرباء والمياه، وتراجع ملموس في الخوف من الاعتقال الذي أثقل حياة المواطنين لعقود.
لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن التحسن الحالي لا يلغي الحاجة لبناء مؤسسات قوية وفعالة، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتعزيز المصالحة الوطنية التي تضمن مشاركة كل السوريين في إدارة بلدهم.
كما يعبّر عن مخاوف واسعة لدى السكان من خطر التطرف ومن زيادة تأثير التدخلات الخارجية، مطالباً بسياسات واضحة تعزز الاستقرار وتمنع الانزلاق نحو الفوضى.
ويؤكد أحمد أن التحرر من النظام البعثي شكّل تحولاً عميقاً في قدرة المجتمع على تنظيم نفسه، بعد عقود طويلة حُرم فيها السوريون من إنشاء مؤسسات مدنية ونقابية وسياسية.
ويأمل أن يساهم تنفيذ اتفاق 10 آذار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية في توسيع المشاركة السياسية، ودمج مؤسسات شمال وشرق سوريا في إدارة البلاد، وضمان عودة المهجرين وحمايتهم، وقطع الطريق على أي خطابات كراهية تهدد وحدة البلاد.
الناشط إسماعيل الموسى يصف التغييرات بأنها “كبيرة ومفصلية”، ويشير إلى أن السوريين باتوا قادرين على التظاهر من دون الحاجة إلى موافقات أمنية، كما حدث في احتجاجات دمشق ظهرت في دمشق والساحل السوري، وهو أمر كان يعد مجازفة خطيرة في عهد النظام السابق.
ويرى أن هذا التحول دليل على بداية مرحلة جديدة، لكنه يحتاج إلى عمل طويل لمعالجة تراكمات التعبئة الطائفية التي خلفتها سنوات الصراع، مؤكداً أن المجتمع بحاجة لإجراءات رادعة للحد من خطاب الكراهية والتحريض.
ويعتبر إسماعيل أن ترسيخ حرية التعبير هو واحد من أهم المكاسب المباشرة بعد سقوط النظام، لافتاً إلى أن الصحفيين لم يعودوا يعتقلون بسبب آرائهم السياسية، ولكنه ينبه إلى ضرورة حماية هذا المكتسب من أي تراجع محتمل في ظل الظروف السياسية المتقلبة.
أما خالد المصطفى، أحد سكان الرقة، فيشير إلى أن الناس يشعرون براحة أكبر نتيجة تراجع الرقابة الأمنية والاعتقالات التعسفية، وتحسن ملموس في الخدمات اليومية.
إلا أن خالد يؤكد أن التحديات الأمنية لا تزال قائمة، وخاصة انتشار السلاح، وهو ما يتطلب جهوداً إضافية لضبط الأمن وتعزيز سلطة القانون.
اقتصادياً، يلفت خالد إلى أن البطالة أصبحت هاجساً حقيقياً لدى الشباب، مطالباً ببرنامج شامل لإعادة الإعمار يوفر فرص عمل ويحدّ من الهجرة التي ازدادت خلال السنوات الأخيرة.
ويرى أن أولويات عام 2026 يجب أن تتمثل في بناء دولة قانون، وتعزيز الاستقرار السياسي، وإطلاق مشاريع تنموية قادرة على إعادة الثقة بين المواطن والسلطة.
وبين آمال كبيرة وتحديات ثقيلة، يقف السوريون اليوم أمام سؤال مصيري: هل ستنجح هذه التغييرات في تثبيت دعائم دولة عادلة وقابلة للحياة، أم أن العوائق السياسية والاقتصادية ستؤخر الحلم السوري في بناء وطن جديد؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن المؤشرات الأولى توحي بأن مرحلة جديدة بدأت بالفعل، ولو بخطوات بطيئة.