لكل السوريين

الزيتون والرمان في درعا والقنيطرة… مواسم تتراجع وأرض تنتظر الإنصاف

درعا/ رجاء مختار

في صباحٍ رمادي من نهاية تشرين، خرج المزارع محمود من ريف درعا الشرقي متجهاً إلى بستان الزيتون الذي ورثه عن والده، كان يحمل سلّةً صغيرة فارغة، ويمشي بين أشجارٍ طالما كانت تفيض بالثمر، لكنها اليوم تبدو شاحبةً كأوراق الخريف. يقف متأملاً ويقول: “كنا نقطف ما نملأ به المعصرة، اليوم لا نحصل إلا على بضع كيلوغرامات بالكاد تكفي بيتنا”.

في قريةٍ قريبة من ريف القنيطرة، تسير أم رامي بين صفوف الرمان، تتفقد الثمار الصغيرة التي لم يكتمل نضجها، وتتنهد قائلة: “كان الرمان يغطي مصاريف المدرسة، أما هذا العام فحتى تكلفة القطف لم تعد مجدية”.

قصص محمود وأم رامي ليست استثناء، بل مرآة لواقعٍ يعيشه آلاف المزارعين في المحافظتين الجنوبيتين، حيث يشهد الزيتون والرمان تراجعاً مقلقاً في الإنتاج، انعكس مباشرةً على معيشة السكان والاقتصاد المحلي الذي يقوم أساساً على الزراعة.

كانت درعا تُعرف تاريخياً بأنها “سلة غذاء الجنوب”، وزيتونها من أجود الأنواع في البلاد، أما القنيطرة فاشتهرت ببساتين الرمان التي تلوّن سفوحها في الخريف. لكن هذا العام، يقول مزارعون إن الإنتاج انخفض إلى النصف تقريباً، وإن كثيراً من الأشجار لم تثمر كما كانت. الأرض عطشى، والمزارع مرهق، والظروف المناخية والاقتصادية تضغط معاً على آخر ما تبقى من الأمل.

فقلة الأمطار التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أثّرت بشدة في التربة وفي دورة نمو الأشجار، إذ تشير تقديرات مديرية الزراعة في درعا إلى أن نسبة الهطل المطري لم تتجاوز 40% من المعدل السنوي في بعض المناطق.

ومع غياب مشاريع فعالة لجمع مياه الأمطار أو تطوير شبكات الري، أصبحت الزراعة تعتمد على الحظ أكثر من التخطيط، ولا يقف الأمر عند قلة المطر، فملوحة المياه الجوفية في القنيطرة وبعض مناطق درعا الغربية زادت بسبب تراجع منسوب الينابيع، مما أضر بجذور الأشجار.

يقول أحد المهندسين الزراعيين في المنطقة: “الزيتون يمكن أن يتحمل الجفاف أكثر من الرمان، لكن السنوات الثلاث الماضية كانت قاسية حتى عليه”، إلى جانب العوامل المناخية، يعاني المزارعون من ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة والمبيدات.

فبعد أن كانت عبوة السماد تباع بثلاثين ألف ليرة، تجاوزت اليوم المئة ألف، فضلاً عن ندرتها في بعض المواسم. كثير من المزارعين اضطروا لتقليل كميات التسميد أو الاستغناء عن المكافحة الدورية للآفات، ما أدى إلى تراجع جودة الثمار وحجمها. ويضاف إلى ذلك ضعف التسويق وغياب الدعم الحكومي الفعلي.

فالمعاصر في درعا لا تعمل بكامل طاقتها بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل ونقص الوقود، والأسواق في القنيطرة محدودة، مما يجعل المزارع تحت رحمة الوسطاء الذين يشترون المحصول بأسعار بخسة.

أحد المزارعين قال بمرارة: “نبيع الزيتون بالكيلو أرخص من كلفة جنيه”. بينما في سوق الرمان، تكدست الصناديق دون مشترين لأن الأسعار لا تغطي حتى أجور النقل. ضعف التنسيق بين المزارعين والتجار، وغياب الجمعيات التعاونية النشطة، فاقم المشكلة، وجعل الزراعة الفردية عبئاً لا مردوداً.

هذا التراجع في الإنتاج ترك أثراً واضحاً على الدخل الفردي. آلاف الأسر في الريف الجنوبي كانت تعتمد على الزيتون والرمان كمصدر رزقٍ موسمي، تغطي به احتياجاتها الأساسية. اليوم، لم يعد الموسم يكفي حتى لسداد الديون.

ومع قلة العمل الزراعي، فقد مئات العمال الموسميين مصدر دخلهم. ولم تعد المعاصر تستقبل الأيدي العاملة كما في السابق، وتراجعت أعمال القطاف والتعبئة والنقل، مما انعكس سلباً على الحركة الاقتصادية في القرى. أيضاً المقاهي والأسواق الشعبية فقدت زبائنها، وحتى محال الأدوات الزراعية باتت تفتح لساعات محدودة.

في ظل هذا الواقع، يرى خبراء الزراعة والاقتصاد المحلي أن الأزمة لا يمكن معالجتها بحلول مؤقتة، بل تتطلب رؤية شاملة لسياسة دعمٍ أكثر عدلاً واستدامة. أولاً، يجب أن تُعاد هيكلة الدعم الزراعي بحيث يصل مباشرة إلى المزارعين الصغار، لا عبر حلقات بيروقراطية. وثانياً، لا بد من دعم مشاريع حصاد مياه الأمطار وحفر آبار جماعية وتطوير شبكات ريّ حديثة تعتمد على التنقيط لتقليل الفاقد المائي. وثالثاً، تشجيع الزراعة العضوية واستخدام الأسمدة المحلية الصنع لتقليل الكلفة وتعزيز خصوبة التربة.

أما من الناحية التسويقية، فالحل يكمن في إنشاء تعاونيات زراعية مشتركة بين درعا والقنيطرة لتجميع المحصول وتخزينه وتصنيعه، سواء عبر معاصر زيتون أو ورش تجفيف الرمان واستخراج دبس الرمان محلياً، مما يضيف قيمة اقتصادية جديدة ويحد من خسائر المزارعين.

كذلك، يمكن للحكومة المحلية أن تسهم في فتح منافذ تسويق في المدن الكبرى أو دعم التصدير عبر برامج تسويقية مدروسة، بدل ترك الفلاحين يواجهون السوق وحدهم. إنّ تراجع إنتاج الزيتون والرمان لا يعني فقط خسارة محصول، بل تهديداً لهوية الجنوب الزراعية.

فالزيتون شجرة السلام والبركة التي تزيّن بيوت درعا، والرمان رمز الخصوبة في القنيطرة، وكلاهما يحملان ذاكرة الأرض وجذور الناس.

حين تُترك هذه الأرض للعطش والإهمال، يفقد المجتمع جزءاً من توازنه الاقتصادي والاجتماعي. يقول “محمود” وهو يغادر بستانه في نهاية النهار: “الأرض ما خانتنا، بس ما لقينا مين يوقف معنا”. هذه العبارة تختصر جوهر المأساة: فلا المزارع يملك القدرة على المواجهة وحده، ولا الدولة تستطيع إنقاذ الموسم إن لم تغيّر سياساتها جذرياً نحو دعمٍ حقيقي ومستدام.

إن الجنوب اليوم بحاجة إلى ما هو أكثر من وعود موسمية؛ بحاجة إلى خطة تضع المزارع في قلب المعادلة، وتعيد الاعتبار لشجرة الزيتون والرمان التي صنعت هوية المكان وذاكرته. فحين تُروى الأرض بالعدل والاهتمام، تعود لتثمر من جديد، ويعود مع ثمارها الأمل بحياةٍ أكثر استقراراً وكرامة لأبناء درعا والقنيطرة.

- Advertisement -

- Advertisement -