درعا/ رجاء مختار
في صباحٍ ضبابي من خريف درعا، يخرج الطفل يزن (10 أعوام) من خيمته الصغيرة وهو يحمل حقيبة مدرسية مهترئة ورثها عن أخيه الأكبر. يسير بحذر بين الركام، متجهاً إلى ما تبقّى من مدرسته التي كانت قبل الحرب منارة للعلم في بلدته “نصيب”.
لم تعد المدرسة كما كانت؛ سقفها مثقوب، النوافذ مكسورة، والسبورة التي كانت تزينها كلمات الأمل أصبحت رمادية مائلة إلى السواد. هناك، في زاوية الصف، يجلس يزن مع عشرات الأطفال على الأرض الباردة، يستمعون بصعوبة إلى معلمتهم التي تكتب على لوح خشبي عُلّق مكان السبورة القديمة.
تقول المعلمة نهى، وهي أمّ لثلاثة أطفال، إنها تحاول بكل ما تملك من عزيمة أن تجعل طلابها يشعرون أن التعليم ما زال ممكناً. “لم يبقَ لدينا مقاعد، نستخدم الحجارة والطوب للجلوس. أحيانًا أكتب الدروس على كرتون فارغ، وأحيانًا على جدار رمادي لم يمحه القصف بعد.” تضيف وهي تنظر إلى الأطفال: “أخاف أن يعتادوا على هذا الوضع، أن يظنوا أن المدرسة خيمة، وأن التعلم رفاهية وليست حقاً”.
في ريف درعا الشرقي، حيث كانت القرى تضج بالحياة قبل سنوات، تحولت عشرات المدارس إلى مبانٍ مهجورة. بعضها انهار بفعل القصف، وبعضها الآخر احتلته العائلات النازحة أو المجموعات المسلحة، ليصبح التعليم في كثير من المناطق مجرد ذكرى. ومع بداية العام الدراسي الجديد، وجد آلاف الطلاب أنفسهم بلا مقاعد ولا جدران تحميهم من المطر أو الحر.
عمر (13 عاماً/) من بلدة الغارية الشرقية يروي قصته بنبرة هادئة أكبر من عمره: “كنت أحب مادة الرياضيات، كنت أحلم أن أصبح مهندسًا. لكن مدرستنا تهدمت منذ ثلاث سنوات، ولم تُرمم بعد. حاولت الذهاب إلى مدرسة في البلدة المجاورة، لكن الطريق خطرة وطويلة. الآن أعمل مع والدي في الحقول، أساعده في جمع الزيتون. يقول لي أبي إن العلم مهم، لكنه ينتظر اليوم الذي نستطيع فيه العودة إلى المدرسة”.
تتحدث أمّ عمر، التي فقدت زوجها في الحرب، عن عجزها بين الرغبة في تعليم أبنائها وبين الخوف عليهم من الطريق: “المدرسة القريبة تحولت إلى مركز إيواء، والمدرسة البعيدة تحتاج إلى مواصلات لا أستطيع دفع تكلفتها. أحياناً أفكر أن أدرّسهم في البيت، لكن لا كتب، ولا كهرباء، ولا وقت”.
في مدينة درعا نفسها، التي تحمل ذاكرة أجيال من الطلاب، تظهر بوضوح آثار الدمار في مدارسها. يقول مدير مدرسة “اليرموك” السابقة، الأستاذ محمود السعيد، وهو يشير إلى جدار متصدع: “كانت هذه المدرسة تضم أكثر من 800 طالب. اليوم لا يتجاوز عددهم المئة. بقية الأطفال في المخيمات أو في القرى التي نزحوا إليها.” يضيف بأسى: “الصفوف تحولت إلى غرف مهجورة. سقف أحدها انهار على المقاعد. لم تأتِ أي جهة لترميمها رغم مناشداتنا المتكررة”.
لم تقتصر المأساة على انهيار الأبنية، بل امتدت إلى الأرواح الصغيرة التي اعتادت الخوف أكثر من القراءة. تقول الأخصائية النفسية ريم الحلبي، التي تعمل في مركز دعم مجتمعي بريف درعا الغربي: “الأطفال الذين فقدوا مدارسهم يعيشون اضطراباً نفسياً واضحاً. كثير منهم يعانون من القلق والتشتت ونوبات الصمت الطويل. بعضهم يرى المدرسة مكاناً خطراً، لأنه يربطها بالقصف والانفجارات”.
وتتابع: “نعمل على برامج دعم نفسي، لكننا نفتقر إلى التمويل والكادر المختص. لا يمكن لأي طفل أن يتعلم وهو يعيش الخوف كل يوم”.
في خيمة صغيرة على أطراف بلدة الحراك، يجتمع أكثر من خمسين طفلاً حول معلمهم الشاب حسام (27 عاماً)، الذي قرر أن يحوّل الخيمة إلى صف مؤقت. يقول مبتسماً رغم التعب: “أنا من أبناء البلدة. كنت أعمل مدرساً في مدرسة حكومية، لكن بعد دمارها قررت ألا أترك الأطفال بلا تعليم. جمعنا بعض الكتب القديمة، واستعرنا سبورة صغيرة من إحدى العائلات، وبدأنا التدريس”.
يضيف وهو يوزع أوراقاً مطبوعة: “نحاول أن نعلّمهم القراءة والكتابة والحساب، فقط لنُبقي شعلة العلم مشتعلة. لا نريد لهذا الجيل أن ينسى المدرسة”.
تسعى مديرية التربية في درعا، رغم ضعف الإمكانيات، إلى ترميم بعض المدارس المهدّمة. المهندس فراس الطويل، أحد المشرفين على مشاريع إعادة التأهيل، يقول: “لدينا أكثر من 600 مدرسة متضررة كلياً أو جزئيًا في المحافظة، لكن التمويل لا يغطي أكثر من 10% من الحاجة الفعلية. نعمل على إعادة تأهيل بعض الأبنية التي لم تتضرر بشكل كبير، ونحاول تأمين مواد البناء من منظمات محلية.” ويضيف: “نحتاج إلى دعم عاجل، لأن كل يوم يمر دون مدرسة يعني جيلاً جديداً من الأمّيين”.
الأرقام مخيفة، لكنها لا تروي القصة كاملة. فالتعليم في درعا لم يعد أولوية لكثير من الأسر التي تكافح لتأمين لقمة العيش. أمّ محمد، وهي نازحة من بلدة إنخل، تقول: “عندي خمسة أطفال، لا أستطيع شراء الدفاتر والملابس لهم. حتى الطريق إلى المدرسة تحتاج إلى أجرة نقل لا أملكها. أحياناً أرسل بنتي الكبرى فقط، وأقول للبقية: عندما تتحسن الأوضاع”.
الطفلة ليان (9 أعوام) من بلدة طفس تلخّص المأساة ببراءة حين تقول: “أشتاق لصوت الجرس.” تقولها وهي تنظر إلى خيمتها التي يرفرف طرفها بفعل الريح. بالنسبة لها، الجرس ليس مجرد صوت، بل رمز للحياة التي تُسرق منها كل يوم.
الدمار في درعا لا يقتصر على الحجر، بل يمتد إلى النفوس والأحلام. في كل ركن من المدينة، يمكنك أن ترى مدرسة مهدمة أو صفاً تحول إلى مأوى. ومع ذلك، لا تزال هناك محاولات صغيرة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه: معلم يدرّس بلا راتب، أمّ تجمع الأطفال في بيتها لتعلمهم الحروف، شباب يرسمون لوحات على الجدران المهدمة تحمل عبارات مثل “العلم أقوى من الحرب”.
في نهاية اليوم، حين تغيب الشمس خلف أطلال مدرسة قديمة، يجلس الأطفال في الساحات الترابية يراجعون ما تعلموه من كلمات. قد لا يملكون دفاتر أو كتبًا جديدة، لكنهم ما زالوا يحلمون. أحدهم يقول: “عندما تُبنى المدرسة من جديد، سأكون أول من يدخل الصف”.
تلك الأحلام الصغيرة هي ما يبقي الأمل حياً في درعا. رغم كل الدمار، ورغم غياب الجدران والسبورات، لا يزال هناك من يؤمن أن التعليم هو الطريق الوحيد للنجاة من رماد الحرب. وفي محافظةٍ أنهكتها السنوات العجاف، يبقى صوت الطفل الذي يردد الحروف الأولى أقوى من أي صدى للمدافع.