تقرير/ اـ ن
يواجه طلاب القرى والمدن البعيدة عن مدينة اللاذقية في الساحل السوري صعوبات كبيرة في الوصول إلى جامعاتهم ومدارسهم، حيث أصبحت أجور النقل تستنزف الجزء الأكبر من دخل العائلات، وتشكل عبئاً مالياً إضافياً يعوق استمرار الطلاب في التعليم، ويصف بعض الأهالي والطلاب أزمة النقل بأنها “قسط جامعي إضافي” يثقل كاهل الأسرة ويهدد مستقبل التعليم في المنطقة.
وعلى الرغم من توفر وسائل النقل بشكل أكبر بعد سقوط نظام الأسد، إلا أن ارتفاع أجورها شكل هاجساً دائماً لكثير من الطلاب أمام متابعة تعليمهم الجامعي، وتتراوح تعرفة الميكروباصات بين القرى والنواحي ومراكز المدن في محافظتي اللاذقية وطرطوس بين 5000 و21000 ليرة سورية، حسب المسافة.
وفي حال تم تقدير التكلفة الوسطية للطالب للوصول إلى جامعته والعودة منها يومياً بـ25000 ليرة سورية، ويحتاج للدوام أربعة أيام أسبوعياً، تصل التكلفة الإجمالية الشهرية لكل طالب إلى نحو 450 ألف ليرة سورية لوسائل النقل فقط، ما يعادل تقريباً نصف الأجر الشهري لموظف في القطاع العام.
وبالنسبة لطلاب المرحلة الثانوية، خاصة القادمين من الأرياف البعيدة، فإن ارتفاع أجور النقل أدى إلى اضطرار بعضهم للتوقف عن الدراسة لمدة عام أو عامين، بسبب بعد المدارس وتكلفتها العالية وعدم قدرة الأهالي على تحمل تكاليف النقل اليومية.
وفي الكثير من الحالات، يضطر الطلاب للتخلي عن رغبتهم في دراسة اختصاصاتهم المفضلة، مثل إدارة الأعمال، والاتجاه نحو خيارات أخرى لا تتطلب حضوراً يومياً للمدرسة أو الجامعة.
فعلى سبيل المثال، تبعد قرية “زاما” عن مدينة جبلة حوالي 30 كيلومتراً، وتبلغ أجرة الميكروباص من القرية إلى كراج مدينة جبلة نحو 12 ألف ليرة سورية، ثم 8000 ليرة سورية إضافية للوصول إلى جامعة اللاذقية، ما يعني أن الطالب يحتاج لدفع ما يقارب 40 ألف ليرة سورية يومياً للذهاب والإياب، وهو مبلغ مرتفع جدًا بالنسبة لمعظم العائلات.
إياس إبراهيم، طالب في كلية الهندسة التقنية بجامعة طرطوس، اضطر لإيقاف تسجيله في الفصل الدراسي الماضي بسبب تعرفة المواصلات المرتفعة، حيث تصل أجرة الميكروباص بين الشيخ بدر وطرطوس إلى نحو 30 ألف ليرة يومياً ذهاباً وإياباً، دون احتساب أجور “السرافيس” داخل المدن.
وفي ظل هذه الظروف، يلجأ بعض الطلاب مثل معاوية محمود إلى الاستفادة من إمكانية إيقاف التسجيل المؤقت في الجامعات، بدلاً من فقدان حلمهم الجامعي، أو دراسة فرع آخر يتوفر فيه سكن جامعي، أو اختيار فرع يمكن اجتيازه من خلال الاعتماد على الملخصات والمحاضرات الجاهزة.
وتتركز الثانويات الصناعية والتجارية والزراعية في مراكز المدن في محافظتي اللاذقية وطرطوس، ما يدفع أغلب الطلاب غير المتمكنين من الدراسة في الثانوية العامة ضمن القرية إلى التوقف عن الدراسة لعامين، قبل متابعة الشهادة الثانوية بنظام “التعليم الحر”.
منار التتان، خريجة معهد تعليمي في مستشفى اللاذقية، ومتزوجة ولديها أولاد طلاب جامعات، قالت إنها حاولت خلال العامين السابقين البحث عن بيت للإيجار في مدينة جبلة، ليتمكن ابنها البكر من متابعة تعليمه في الثانوية الصناعية، مشيرة إلى أن الوضع يمثل تحدياً كبيراً للأهالي الراغبين في استمرار أبنائهم بالدراسة.
وخلال أيام الدوام المدرسي، يعمد أغلب الطلاب للإقامة لدى أقاربهم في المدن أو قرب المدارس، كحل مؤقت لتخفيف الأعباء المالية، كوثر خليل الزين من مدينة الدريكيش بريف طرطوس قالت إنها، مثل كثير من زملائها، تحتاج هذا العام للعيش في منزل قريب من الأقرباء، حيث انتقلت للإقامة في منزل خالها القريب من المدرسة الزراعية في اللاذقية، ريثما تنتهي من دراسة البكالوريا.
من جهته، أشار ظافر مهنا، مهندس من اللاذقية، إلى أهمية وضع آلية لتحديد تعرفة الركوب بما يتناسب مع المسافة ووعورة الطرق، مؤكداً أن هناك دراسات قائمة لتقديم تخفيضات مخصصة للطلاب الجامعيين، وإمكانية تسيير رحلات خاصة من أماكن سكنهم إلى الجامعات، بهدف تخفيف الأعباء المالية عليهم.
ومع ذلك، يبقى حلم الطلاب في الساحل السوري معلقاً بين قرى بعيدة وطرق صعبة، فيما تبقى شهاداتهم وآمالهم مؤجلة حتى تتحسن القدرة على الوصول إلى مقاعد الدراسة بشكل يومي.
أزمة النقل، بحسب الأهالي والطلاب، ليست مجرد مشكلة لوجستية، بل تشكل تهديداً مباشراً لمستقبل التعليم والفرص الأكاديمية للشباب في المنطقة، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة لتقديم حلول مستدامة تقلل من العبء المالي على الأسر وتمكّن الطلاب من متابعة دراستهم دون انقطاع.