في وقت تنشغل فيه الساحة السورية بأزمات أمنية متصاعدة وحالة من التوتر الداخلي والانقسام المجتمعي، تواصل إسرائيل تصعيد تحركاتها العسكرية في الجنوب السوري بوتيرة متسارعة، عبر عمليات توغل وقصف وتعزيزات ميدانية متكررة، وسط غياب أي ردع فعلي أو تحرك واضح من قبل الحكومة الانتقالية لوقف هذه الانتهاكات المتواصلة للسيادة السورية.
وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، شهدت محافظتا القنيطرة ودرعا سلسلة تحركات إسرائيلية عسكرية متزامنة، اعتبرها مراقبون مؤشراً على سعي تل أبيب إلى تكريس وجود أمني وعسكري دائم في مناطق الجنوب السوري، مستفيدة من حالة الاضطراب الداخلي والانشغال بالأزمات المحلية.
ويأتي هذا التصعيد في ظل استمرار الاحتقان الشعبي والتوتر الأمني داخل سوريا، حيث تشهد عدة مناطق احتجاجات وأعمال عنف استهدفت منازل وممتلكات تعود لأشخاص متهمين بالارتباط بالنظام السابق، في وقت لا تزال فيه مؤسسات الدولة القضائية والأمنية عاجزة عن فرض مسارات قانونية عادلة للمحاسبة، الأمر الذي يفاقم حالة الفوضى والانفلات الأمني.
ويرى متابعون أن غياب مؤسسات قضائية مستقلة وفعالة أسهم في خلق بيئة مضطربة تسمح بتنامي الفوضى الداخلية، بينما تستغل إسرائيل هذا الواقع لتوسيع تحركاتها العسكرية والاستخباراتية داخل الأراضي السورية دون مواجهة حقيقية أو مواقف رادعة تحد من تمددها في الجنوب.
توغلات ميدانية وتحركات استفزازية
وفي التفاصيل الميدانية، توغلت قوة إسرائيلية مؤلفة من خمس آليات عسكرية داخل قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي، حيث أقامت حاجزاً مؤقتاً على الطريق المؤدي إلى قرية عين ذكر، وقامت بتفتيش المدنيين والتدقيق في هوياتهم قبل التوغل داخل القرية.
وبحسب مصادر محلية، توقفت الآليات العسكرية الإسرائيلية قرب أحد المراكز الامتحانية لفترة وجيزة قبل أن تغادر المنطقة دون تنفيذ اعتقالات، في خطوة أثارت مخاوف الأهالي من تكرار هذه التحركات وتحولها إلى واقع دائم في المنطقة الحدودية.
وفي تطور موازٍ، استهدفت القوات الإسرائيلية محيط سد المنطرة في ريف القنيطرة الجنوبي بأربع قذائف صاروخية انطلقت من قواعدها العسكرية في الجولان السوري المحتل، ما تسبب بسماع دوي انفجارات عنيفة في المنطقة، دون تسجيل خسائر بشرية بحسب المعلومات الأولية.
تعزيزات استخباراتية ومواقع مراقبة جديدة
ولم تقتصر التحركات الإسرائيلية على التوغلات والقصف، بل امتدت إلى تعزيز البنية العسكرية والاستخباراتية في الجنوب السوري، حيث رُصد تركيب كاميرات مراقبة وأجهزة رصد متطورة قرب خط وقف إطلاق النار في الجولان المحتل، إضافة إلى إنشاء نقاط تحصين ومرصد عسكري جديد في منطقة “تل الأحمر الشرقي”.
ويعتقد مراقبون أن هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على التلال والمناطق الاستراتيجية المطلة على الجنوب السوري، بما يسمح بتوسيع نطاق المراقبة الميدانية وجمع المعلومات الاستخباراتية بشكل دائم.
درعا.. تحركات عسكرية متزامنة
وفي محافظة درعا، شهد الريف الغربي تحركات إسرائيلية لافتة، حيث توغل رتل عسكري يضم أكثر من عشر آليات ومصفحات انطلاقاً من الجولان السوري المحتل باتجاه منطقة حوض اليرموك، مروراً ببلدتي جملة وعابدين وصولاً إلى أطراف بلدة معرية.
وتضم بلدة معرية نقطة عسكرية متقدمة ثبتت القوات الإسرائيلية وجودها فيها منذ أواخر عام 2024، ما يعكس اتجاهاً واضحاً نحو تثبيت مواقع عسكرية دائمة داخل بعض المناطق الحدودية.
كما توغلت دورية إسرائيلية أخرى في المنطقة نفسها، وأقامت حاجزاً مؤقتاً بين بلدتي جملة وعابدين قبل الانسحاب لاحقاً، بعد فرض وجود عسكري مباشر في الموقع لساعات.
تصاعد غير مسبوق في الانتهاكات
وبحسب توثيقات حقوقية، شهد الجنوب السوري خلال الأسبوعين الماضيين تصاعداً ملحوظاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية، حيث تم تسجيل عشرات عمليات التوغل داخل الأراضي السورية، إضافة إلى سلسلة ضربات استهدفت مواقع مختلفة في محافظتي درعا والقنيطرة.
ويرى محللون أن هذا التصعيد المتواصل يعكس تحولاً في طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الجنوب السوري، من سياسة الضربات المحدودة إلى سياسة فرض الوقائع الميدانية وتعزيز الحضور العسكري المباشر.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الانشغال الداخلي بالأزمات الأمنية والسياسية يمنح إسرائيل فرصة أوسع لترسيخ نفوذها العسكري في المنطقة الحدودية، خاصة في ظل غياب موقف سوري موحد قادر على التعامل مع هذه التطورات.
أزمة داخلية تفتح الباب للتدخلات
ويؤكد متابعون للشأن السوري أن حالة الفوضى والانفلات الأمني لا تقتصر تداعياتها على الداخل فقط، بل تنعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة في حماية حدودها ومنع التدخلات الخارجية.
كما يشدد حقوقيون على أن فرض سيادة القانون عبر مؤسسات قضائية مستقلة وعادلة بات ضرورة ملحة لاستعادة الاستقرار الداخلي، ومنع استغلال الأوضاع المضطربة لفرض تغييرات عسكرية وأمنية جديدة على الأراضي السورية.
وفي ظل استمرار التوترات الميدانية والتصعيد الإسرائيلي المتواصل، يبقى الجنوب السوري مفتوحاً على احتمالات أكثر خطورة، وسط مخاوف من أن تتحول التحركات العسكرية الحالية إلى واقع دائم يصعب تغييره في المستقبل القريب.