تشهد العلاقات السورية – الأردنية تحولاً تدريجياً من مرحلة الاحتواء الأمني وإدارة تداعيات الحرب إلى مسار أكثر انفتاحاً يقوم على توسيع المصالح المشتركة وبناء تفاهمات سياسية واقتصادية طويلة الأمد، في ظل متغيرات إقليمية متسارعة تدفع البلدين نحو إعادة صياغة أولويات العلاقة الثنائية.
ومع تزايد وتيرة اللقاءات الرسمية وتفعيل قنوات التنسيق بين دمشق وعمّان، تبدو المرحلة الحالية مختلفة عن السنوات السابقة، إذ لم تعد الملفات الحدودية والأمنية وحدها محور الاهتمام، بل برزت ملفات الاقتصاد والطاقة والنقل والتكامل اللوجستي بوصفها عناوين رئيسية في المشهد الجديد للعلاقات بين البلدين.
انتقال تدريجي من البرود السياسي إلى التنسيق المباشر
العلاقات بين سوريا والأردن مرت خلال السنوات الماضية بمحطات معقدة فرضتها الحرب السورية والتطورات الإقليمية، حيث تبنت عمّان لسنوات سياسة حذرة تجاه دمشق، انطلاقاً من اعتبارات أمنية مرتبطة بالحدود الجنوبية لسوريا، وتداعيات اللجوء، وملفات التهريب والجماعات المسلحة.
إلا أن التحولات الميدانية والسياسية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2018، دفعت الأردن إلى اعتماد مقاربة أكثر واقعية تجاه الملف السوري، قائمة على مبدأ “الانخراط المنضبط” بدلاً من القطيعة السياسية، وهو ما انعكس في إعادة فتح المعابر الحدودية واستئناف الاجتماعات الثنائية ورفع مستوى التنسيق الأمني والاقتصادي.
ويرى مراقبون أن عمّان باتت تنظر إلى استقرار الجنوب السوري باعتباره جزءاً مباشراً من أمنها الوطني، الأمر الذي عزز منسوب التواصل السياسي مع دمشق خلال السنوات الأخيرة.
الاقتصاد بوابة المرحلة الجديدة
في المقابل، تبرز المصالح الاقتصادية كأحد أبرز دوافع التقارب بين البلدين، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعانيها المنطقة، وحاجة كل من دمشق وعمّان إلى تنشيط خطوط التجارة والنقل والطاقة.
ويُعد معبر جابر – نصيب أحد أهم المفاصل الاقتصادية بين الطرفين، نظراً لدوره الحيوي في حركة الترانزيت والتبادل التجاري بين سوريا ودول الخليج العربي، فضلاً عن أهميته في مشاريع الربط الإقليمي المستقبلية.
كما تبرز مشاريع النقل والربط السككي وخطوط الطاقة ضمن الملفات التي تحظى باهتمام متزايد، في إطار سعي البلدين للاستفادة من موقعهما الجغرافي كممر استراتيجي يربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن إعادة تنشيط التعاون السوري – الأردني قد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعافي التجاري والاستثماري، خصوصاً إذا ما ترافقت مع استقرار أمني أوسع في الجنوب السوري.
الأمن والحدود… أولوية مستمرة
ورغم الانفتاح السياسي والاقتصادي المتزايد، لا يزال الملف الأمني يحتل موقعاً مركزياً في العلاقات بين البلدين، لا سيما مع استمرار التحديات المرتبطة بعمليات تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود.
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت القوات الأردنية إجراءاتها العسكرية والأمنية على الحدود الشمالية، في ظل تصاعد المخاوف من نشاط شبكات التهريب العابرة للحدود، والتي تعتبرها عمّان تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الداخلي.
في المقابل، تؤكد دمشق استمرار التنسيق مع الجانب الأردني لضبط الحدود ومنع أي نشاطات غير قانونية، وسط مساعٍ مشتركة لمنع تحول الجنوب السوري إلى بؤرة توتر دائمة.
سوريا الجديدة في الحسابات العربية
ويأتي الحراك السياسي الأردني تجاه دمشق ضمن سياق عربي أوسع يسعى إلى إعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي، بعد سنوات من العزلة السياسية، خاصة عقب استعادة دمشق مقعدها في جامعة الدول العربية.
ويعتقد محللون أن الأردن يحاول لعب دور محوري في إعادة بناء الجسور العربية مع سوريا، مستفيداً من موقعه السياسي وعلاقاته الإقليمية والدولية، في وقت تسعى فيه دمشق إلى توسيع هامش انفتاحها العربي وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة عليها.
كما ينظر إلى العلاقات السورية – الأردنية اليوم بوصفها جزءاً من إعادة ترتيب التوازنات السياسية والاقتصادية في المنطقة، في ظل مشاريع إقليمية كبرى تتعلق بالطاقة والتجارة والنقل والممرات اللوجستية.
نحو مرحلة أكثر استقراراً
ورغم استمرار التحديات المرتبطة بالعقوبات الغربية وتعقيدات المشهد الإقليمي، إلا أن المؤشرات الحالية تعكس رغبة متبادلة لدى دمشق وعمّان في تثبيت مسار التعاون وتوسيع مساحات التفاهم المشترك.
ويبدو أن البلدين انتقلا تدريجياً من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى مرحلة “بناء المصالح”، وهي مرحلة قد تؤسس لعلاقات أكثر استقراراً خلال السنوات المقبلة، إذا ما نجحت الجهود السياسية والأمنية في احتواء الملفات العالقة وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الطرفين.
وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، تبقى العلاقات السورية – الأردنية مرشحة للعب دور متقدم في رسم ملامح المرحلة الإقليمية المقبلة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.