تتجه إسرائيل إلى رفع مستوى الجهوزية العسكرية وسط تصاعد التوتر الإقليمي، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال استئناف المواجهة مع إيران، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في لبنان وقطاع غزة، ضمن مشهد يعكس اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.
وتتحدث تقديرات متداولة داخل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية عن استعدادات لسيناريو قد يشمل تنسيقاً أميركياً إسرائيلياً لتنفيذ ضربات ضد إيران، في حال تعثر المسار الدبلوماسي الذي لا تزال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمنحه فرصة أخيرة.
وبحسب هذه التقديرات، فإن أي مواجهة مقبلة لن تكون منفصلة عن جولات التصعيد السابقة، بل ستستهدف ما تصفه تل أبيب بـ”الأهداف غير المكتملة”، عبر التركيز على البنية التحتية الحيوية داخل إيران، بما في ذلك منشآت الطاقة وشبكات المياه والكهرباء، بهدف زيادة الضغط على طهران ودفعها نحو مفاوضات بشروط أكثر تشدداً.
ورغم عدم صدور قرار نهائي من واشنطن بشأن الخيار العسكري، فإن المؤشرات القادمة من تل أبيب تعكس استعداداً واضحاً لاحتمال العودة إلى التصعيد، خاصة مع تنامي القناعة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الضغوط السياسية وحدها قد لا تكفي لاحتواء البرنامج النووي الإيراني أو الحد من نفوذ طهران الإقليمي.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً متزامناً على أكثر من جبهة، إذ لا تزال الحدود الجنوبية للبنان تشهد مواجهات متقطعة بين إسرائيل وحزب الله، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي أُعلن قبل أشهر بوساطات دولية وإقليمية.
وشهدت الساعات الأخيرة تصعيداً جديداً بعد إطلاق مسيّرات باتجاه مواقع إسرائيلية، أعقبته غارات إسرائيلية استهدفت مناطق في جنوب لبنان، بينها محيط بلدة يحمر قرب قلعة الشقيف.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل ضابط خلال المعارك جنوب لبنان، ليصبح ثامن ضابط يُقتل منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، في مؤشر على هشاشة التهدئة وصعوبة منع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع.
وترى تل أبيب أن حزب الله يحاول الحفاظ على مستوى منخفض من الاشتباك يسمح باستمرار الضغط العسكري دون الوصول إلى حرب شاملة، بينما تسعى إسرائيل إلى استنزاف قدرات الحزب تدريجياً عبر الضربات الجوية والاستهدافات المركزة.
في المقابل، تتزايد المخاوف الإسرائيلية من احتمال تداخل الجبهات، بحيث يؤدي أي تصعيد مباشر مع إيران إلى اشتعال كامل للجبهة اللبنانية، بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين طهران وحزب الله، الذي يُعد أبرز حلفائها العسكريين في المنطقة.
وفي غزة، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية المكثفة، حيث شنت غارات جديدة عقب إعلان اغتيال عز الدين الحداد، أحد أبرز قادة الجناح العسكري لحركة حماس داخل القطاع.
وتعتبر إسرائيل أن استهداف قيادات الصف الأول في حماس يمثل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إضعاف البنية العسكرية للحركة ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها، إلا أن استمرار العمليات البرية والجوية يعكس في الوقت ذاته تعثر الوصول إلى حسم نهائي للحرب المستمرة منذ أشهر.
وتواجه الحكومة الإسرائيلية معادلة معقدة تتمثل في مواصلة الحرب في غزة، واحتواء التصعيد في لبنان، والاستعداد لاحتمال مواجهة مباشرة مع إيران، وهو ما يزيد الضغوط على المستويين العسكري والسياسي.
ويرى مراقبون أن تل أبيب تستخدم التصعيد المتزامن على عدة جبهات كوسيلة لتعزيز الردع وإظهار الجاهزية، سواء أمام خصومها الإقليميين أو أمام الولايات المتحدة، التي لا تزال مترددة في الانخراط بحرب واسعة مع إيران.
وفي المقابل، تراهن إسرائيل على أن استمرار الضغوط العسكرية والأمنية قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملفات النووية والإقليمية، خصوصاً مع استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل إيران.
غير أن هذا الرهان يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن أي خطأ في الحسابات قد يقود إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، في ظل استمرار التوتر في غزة ولبنان واحتمالات انخراط أطراف إقليمية أخرى في أي مواجهة مقبلة.
ومع بقاء المسار الدبلوماسي قائماً حتى الآن، تبقى المنطقة معلقة بين خيار العودة إلى طاولة المفاوضات وخطر الانزلاق إلى حرب جديدة قد تكون أكثر اتساعاً وتعقيداً من كل المواجهات السابقة.