درعا/ رجاء مختار
في شوارع درعا التي أنهكها النزاع، لم تعد بضائع الأسواق تقتصر على الخضار الباهتة والملابس المستعملة، بل امتدت لتشمل بضاعة جديدة من نوعها تثير الفزع في نفوس المارة: بزات عسكرية كاملة، ستر واقية تحمل بصمات الاستخدام، أحذية ثقيلة صُممت للسير في ميادين القتال، وأكوام من اللثام الذي يمحو الهوية. هذه ليست مستودعات تابعّة للجيش، بل بسطات عادية يتجول حولها الأطفال ويقف أمامها رجالٌ يتفحصون الجودة والسعر، في مشهدٍ ينمّ عن انزياح خطير للحدود بين ما هو مدني وما هو عسكري.
الخوف هنا لا ينبع من مجرد وجود هذه المنتجات، بل من الدلالات العميقة لانتشارها. فثمة قناعة راسخة لدى السكان بأن هذه الألبسة لم تأتِ عبر قنوات مشروعة. بعضها سُرق من مخازن الجيش، وبعضها الآخر يُهرّب من مناطق مجاورة، وجزء كبير منها يُباع من قبل عناصر فردية تسعى لتحقيق ربح سريع. لكن الأخطر من تجارة الألبسة نفسها هو ما يرافقها من نشاط موازٍ، خفيّ ومُريب، يتمثل في تسويق الأسلحة الخفيفة عبر شبكات سرية تعمل بعيداً عن أعين الرقابة.
في مقهى شعبي قديم، يجلس أبو محمد (50 عاماً) وهو يحرك مسبحته بتوتر واضح. يقول: “الشارع لم يعد آمناً. أصبح من المستحيل أن تميز بين جندي يحمل سلاحه، وبين أي شخص آخر اشترى بزّة وبندقية. اللثام يخفي الوجه، واللباس الموحّد يخفي النية”. يروي كيف أن ابن جاره، فتى في السابعة عشرة من عمره، اشترى كلاشنكوفاً مستعملاً بمبلغ لا يتجاوز مئة دولار، ويقوم الآن بإطلاق النار في الأفراح كنوع من الاستعراض. “السلاح أصبح في متناول اليافعين، وكأنه لعبة. لكن هذه اللعبة تقتل”.
هذه البيئة المشبعة بالرموز العسكرية والأسلحة غير المنضبطة تخلق مساحة مثالية للجريمة والتمويه. فتحت غطاء الزي الرسمي المزيف، يمكن لأي فرد أو مجموعة التنقل بحرية، وتنفيذ عمليات الاغتيال التي شهدتها المحافظة مؤخراً دون أن تثير الشكوك. العقيد المتقاعد أكرم أبو ميجنا يحذّر من أن “ارتداء الزي العسكري من قبل غير المخوّلين يمثل تهديداً مباشراً لأمن المجتمع ويُضعف هيبة الدولة”، مشيراً إلى أن الظاهرة تُستغل بشكل متزايد في أعمال النصب والاختطاف والتحركات المشبوهة.
ورغم أن الجهات الأمنية حاولت في فترات سابقة تضييق الخناق على تجارة السلاح العلنية، إلا أن النتيجة كانت تحول هذه التجارة إلى قنوات أكثر سرية وتعقيداً. فالبائع اليوم لا يعرض بضاعته على الرصيف، بل يعمل عبر وسطاء موثوق بهم، ويتم إتمام الصفقات داخل البيوت أو في الأماكن النائية. بعض الأهالي يتحدثون عن “كشوف أسعار” سرية للبنادق والمسدسات والذخيرة، يتم تداولها بين فئات معينة كأنها قوائم طعام.
التقارير المحلية تشير إلى أن سعر الطلقة الواحدة يصل إلى نحو ثلاثة آلاف ليرة سورية، مما يعني أن حفلة عرس واحدة قد تُكلّف مئات الآلاف من الليرات بسبب العيارات النارية التي تُطلق في الهواء. لكن التكلفة الحقيقية هي تكلفة بشرية: فالحوادث العرضية، والاشتباكات العائلية التي تتحول إلى مجازر صغيرة، والاستخدام العشوائي للسلاح، كلها أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في درعا وريفها.
الوجهاء والمثقفون في المنطقة يحاولون لفت انتباه السلطات إلى خطورة ما يحدث. إبراهيم الحاج علي، أحد أعيان درعا، يصف الوضع بأنه “انفلات غير مسبوق”، داعياً إلى “حملة جادّة لسحب الألبسة العسكرية والأسلحة غير المرخصة من الأسواق”. لكن الأصوات المحلية وحدها لا تكفي في ظل بيئة معقدة يسودها انعدام الثقة وتشابك المصالح.
الخطر الأكبر يكمن في أن يصبح هذا المشهد طبيعياً، أن يعتاد الناس على رؤية المسدسات تحت الملابس، والبنادق في السيارات، والوجوه الملثمة في الشوارع. الخوف يتحول إلى روتين، والموت يصبح احتمالاً يومياً. درعا، التي عانت لسنوات من ويلات الحرب، تواجه الآن شكلاً جديداً من الفوضى: سلاح غير خاضع للرقابة، وزيّ عسكري مُبتذل، ومجتمع يفقد تدريجياً قدرته على التمييز بين من يحميه ومن يقتله.