لكل السوريين

دمشق.. واحات الأمل بين أنقاض الذاكرة

دمشق/ مرجانة إسماعيل

في أزقة دمشق القديمة، حيث تحمل الحجارة آثار رصاص وبصمات جراح، تتهادى روائح الهيل والقهوة مختلطة بأنغام المواويل القديمة. هنا، في مقهى “النهضة” العتيق، يجلس الدمشقيون كما لو كانوا يمارسون طقساً قديماً للصمود. بين الأقواس الحجرية والأرجل الخشبية المتآكلة، تبدو الحياة وكأنها ترفض الاستسلام رغم كل شيء.

لم تتحول مقاهي دمشق مجرد ملاذ من انقطاع الكهرباء والإنترنت، بل أصبحت خلايا حية تنبض بالحياة الاجتماعية التي كادت تختنق تحت وطأة الحرب. تحولت هذه الفضاءات إلى فصول دراسية للطلاب، ومكاتب للمهنيين، وصالونات ثقافية للمثقفين، وملتقى للعائلات التي تبحث عن لحظة استقرار.

يحدثنا عمر الدالاتي، من الجيل الخامس لعائلة تمتلك مقهى “النهضة” الذي تأسس أواخر العصر العثماني: “أجدادي شهدوا الاحتلال الفرنسي هنا، وأبي عاصر سنوات الوحدة والانفصال، وأنا أعيش سنوات الحرب”. ويضيف وهو يمسح طاولة خشبية بمنديل أبيض: “الناس تأتي إلى هنا لا لشرب القهوة فقط، بل لتعيش لحظة طبيعية في حياة غير طبيعية”.

لكن هذه اللحظة “الطبيعية” تأتي ثمناً باهظاً. سعر كوب الشاي يساوي يوم عمل لموظف حكومي، وكوب القهوة يعادل ثمن وجبتي طعام لأسرة متوسطة. النرجيلة التي كانت في الماضي رفاهية متاحة أصبحت اليوم مؤشراً على الفجوة الطبقية التي خلفتها الحرب.

مجد الحسيني (28 عاماً)، مصمم غرافيك، يجلس يومياً في مقهى “الرواد” بمنطقة المزة. “في بيتنا، الكهرباء تغيب 16 ساعة يومياً، والإنترنت يشبه قطعة أثرية من زمن مضى”، يقول وهو يشير إلى شاشة حاسوبه المحمول. “هنا أستطيع العمل وإرسال تصاميمي للعملاء، رغم أنني أنفق ثلث راتبي على هذه الجلسات”.

لكن قصة المقاهي في دمشق لا تقتصر على الهروب من واقع مرير، بل هي أيضاً قصة مقاومة اقتصادية. باسل القادري، شاب في الخامسة والثلاثين، افتتح مقهى “ذاكرة المدينة” قبل عامين. “المقاهي مشروع ناجح في الأزمات”، يقول بثقة. “الناس تبحث عن مساحة للتنفس، وعندما تجدها، لا تبالي بالثمن”.

هذه الرؤية دفعت مقاهي الأحياء الراقية مثل أبو رمانة والشعلان إلى تطوير خدماتها ورفع أسعارها بشكل كبير. بينما تواجه المقاهي التقليدية في الأحياء القديمة تحديات أكبر بسبب قيود الترميم واشتراطات الآثار.

لكن القصة الأكثر إثارة تكمن في الدور الثقافي الذي لعبته هذه المقاهي عبر التاريخ. لمياء الساحلي، باحثة في التراث الدمشقي، تتحدث عن ذاكرة هذه الأماكن: “كانت مقاه مثل ‘الحميدية’ و’الزهراء’ و’الهلال’ منارات ثقافية تجمع المثقفين والأدباء”. وتضيف: “الياء على جدران بعض هذه المقاهي لا تزال تحتفظ بذكريات نقاشات كانت تحدث فيها”.

أشهر هذه المقاهي كان “مقهى السلطان” في شارع النصر، الذي شهد في أربعينيات القرن الماضي اجتماعات لأبرز رواد الحركة الثقافية في سوريا. اليوم، تحول المقهى إلى متجر للملابس، لكن ذاكرته لا تزال حية في أذهان كبار السن.

ورغم كل التغيرات، ما يزال مقهى “النهضة” يحافظ على تقاليده العريقة. كل مساء، يجلس الحكواتي في ركن المقهى لسرد حكايات من تراث المدينة، من أساطير صلاح الدين إلى حكايات أيام زمان. تستغرق سردية كاملة عاماً كاملاً، كما يروي عمر الدالاتي.

“نحن نرفض تقديم خدمة الواي فاي المجانية”، يقول الدالاتي بفخر. “نريد للناس أن يتحدثوا مع بعضهم، أن يتبادلوا الأحاديث والنكات والأخبار. الحياة الحقيقية هنا في هذا الفضاء، وليس في العالم الافتراضي”.

هذه الفلسفة تجذب أشخاصاً مثل نادر العطار (50 عاماً)، الذي عاد من المغترب قبل عامين. “أجلس هنا لأستعيد ذكريات والدي الذي كان يجلس في هذا المقهى كل جمعة”، يقول وهو يشرب قهوته ببطء. “في الغربة، كانت المقاهي أماكن للعمل. هنا، المقهى هو بيت الذكريات والروح”.

لكن ليس كل الدمشقيين قادرين على تحمل تكلفة هذه الذكريات. فاطمة إبراهيم (55 عاماً)، تعمل نادلة في مقهى “الضياء” الحديث. “أرى شباباً ينفقون ما يعادل راتب أسبوع كامل في جلسة واحدة”، تقول بينما ترفع الأكواب الفارغة. “أحياناً أسأل نفسي: أي سوريا هذه التي يعيش فيها هؤلاء؟”.

ورغم كل التناقضات، تبقى مقاهي دمشق شواهد حية على قدرة الحياة على الانبعاث. هي ليست مجرد أماكن للترفيه، بل خلايا مقاومة في جسد مدينة، تحاول أن تعيد إحياء نبض الحياة في شرايينها.

كما تقلم لمياء الساحلي: “هذه المقاهي ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي صفحات مفتوحة من ذاكرة المدينة. هي خزائن تحفظ أسرار الأحياء وهمس الأجيال”.

اليوم، بينما لا تزال ندوب الحرب بادية على وجوه المباني ووجوه الناس، تظل المقاهي واحات صغيرة تقاوم النسيان. هنا، يجلس الدمشقيون ليشربوا القهوة، يلعبون الورق، يتبادلون الأحاديث، وكأنهم يقولون للدمار: “لن نغادر.. سنبقى هنا نروي القصة كاملة”. في فنجان القهوة هذا، تختزل قصة شعب يرفض أن تموت ذاكرته، ويصر على البحث عن الجمال حتى في قلب الخراب، وعن الأمل حتى في أحلك الساعات.

- Advertisement -

- Advertisement -