لكل السوريين

حرائق الساحل السوري.. ما بين الإهمال وشبهة الافتعال

تقرير/ اـ ن

لم تكن النيران التي اجتاحت غابات الساحل السوري خلال الأسابيع الماضية مجرد حدث عابر أو كارثة طبيعية مألوفة، بل بدت أقرب إلى جرس إنذار كبير يقرع في وجه الدولة والمجتمع معاً.
فالمشهد الذي رآه سكان ريف اللاذقية وطرطوس وبانياس وجبلة لم يكن عادياً: ألسنة لهب تتصاعد من أكثر من جهة في الوقت ذاته، سحب دخان كثيفة حجبت السماء، وقرى كاملة تحاصرها النيران، فيما تقف فرق الإطفاء بقدرات محدودة أمام كتلة جحيم تلتهم كل ما أمامها.

شهادات من قلب النار ومؤشرات على الافتعال

في قرية صغيرة على تخوم محمية الفرنلق، يتحدث أبو وائل، وهو مزارع ستيني فقد بستان زيتونه بالكامل:
“رأينا النيران تبدأ فجأة، ليس من مكان واحد بل من ثلاثة اتجاهات… لم يكن لدينا وقت للنجاة. خسرنا تعب السنين خلال ساعات.”

وفي جبل التركمان، تقول أم مازن، وهي نازحة من قريتها بعد أن حاصرتها ألسنة اللهب:
“لم نتمكن من إنقاذ سوى بعض الأثاث. تركنا البيت والنار كانت تلاحقنا. لا نعرف أين سنعيش الآن.”

هذه الشهادات تتكرر بصيغ مختلفة على لسان عشرات العائلات، وتفتح الباب أمام سؤال أساسي: هل كانت الحرائق طبيعية، أم أن هناك أيادٍ خفية تقف وراءها؟

رغم الظروف المناخية القاسية – حرارة مرتفعة وجفاف ممتد – إلا أن تزامن الحرائق في أكثر من موقع، وفي مناطق ذات قيمة استثمارية وسياحية وزراعية عالية، أثار شكوك الأهالي والمراقبين.

التقارير الميدانية والإعلامية أشارت إلى أن بعض الحرائق لم يكن لها مبرر طبيعي، وأنها بدت وكأنها أُشعلت عن قصد.
المصادر ترجح عدة دوافع، أبرزها:

المصالح الاقتصادية: الاستفادة من الأراضي المحترقة لتحويلها إلى مشاريع عمرانية أو زراعية.

شبكات تجارة غير مشروعة: استغلال الخشب والفحم الناتج عن الاحتراق.

الدوافع الانتقامية والشخصية: إشعال النار كوسيلة للعقاب أو تصفية نزاعات محلية.

الاعتبارات الأمنية: حرق الأحراش التي توفر غطاءً للتسلل أو الاختباء في المناطق الحساسة.

ثمن بيئي باهظ

حرائق هذا الموسم لم تُحرق الأشجار فقط، بل دمّرت آلاف الهكتارات من الغابات الطبيعية التي شكّلت لعقود رئة الساحل السوري.
الخبراء البيئيون يحذرون من تداعيات كارثية:

فقدان التربة لظل الأشجار ورطوبتها، ما يزيد خطر التصحر.

تراجع التنوع البيولوجي واختفاء أنواع نباتية وحيوانية نادرة.

ارتفاع درجات الحرارة في المناطق المحترقة بسبب فقدان الغطاء النباتي.

تسريع دورة الجفاف، ما يجعل الغابات أكثر هشاشة أمام حرائق جديدة.

يقول الباحث البيئي (د. م. س):
“نحن أمام حلقة مفرغة: كل حريق يولد جفافاً، وكل جفاف يزيد احتمالية الحريق التالي. استمرار هذه الدورة يعني فقدان الساحل لثروته الخضراء بالكامل خلال سنوات قليلة.”

خسائر اقتصادية واجتماعية

الحرائق لم تترك أثراً بيئياً فحسب، بل وجهت ضربة قاسية للاقتصاد المحلي.

مزارعون خسروا بساتين الزيتون والحمضيات والتفاح، وهي مصدر رزق أساسي لعائلات بأكملها.

نزوح عشرات العائلات من القرى الجبلية بعد احتراق منازلهم أو تهديدها بالنيران.

تراجع النشاط السياحي في المناطق التي كانت تعتمد على طبيعتها الخضراء وجمال غاباتها.

الأكثر خطورة أن الحرائق خلّفت توترات اجتماعية، إذ باتت بعض القرى تتبادل الاتهامات حول المسؤولية، في وقت تغيب فيه الشفافية الرسمية.

الإهمال.. شريك أساسي

حتى مع وجود فرضيات الافتعال، فإن الإهمال وسوء الإدارة لا يقلان خطورة.

غياب خطط وقائية فعالة، مثل الممرات العازلة أو الحواجز النارية.

ضعف تجهيزات فرق الإطفاء وتوزعها الجغرافي غير العادل.

ممارسات يومية خطرة، مثل حرق الأعشاب والنفايات الزراعية، أو ترك بقايا نيران التنزه مشتعلة.

هذه العوامل جعلت من كل شرارة صغيرة بداية محتملة لكارثة كبرى.

الحاجة إلى تحقيق ومحاسبة

أمام هذه الكارثة، يطالب الأهالي والناشطون بتشكيل لجان تحقيق مستقلة لكشف الأسباب بدقة، وفصل الطبيعي منها عن المتعمد، مع تشديد العقوبات على مفتعلي الحرائق.

كما يشدد الخبراء على ضرورة وضع استراتيجية وطنية شاملة، تشمل:

تعزيز قدرات فرق الإطفاء بمعدات حديثة وطائرات مخصصة.

إشراك المجتمع المحلي في الرقابة والتبليغ.

وضع تشريعات صارمة تمنع استثمار الأراضي المحترقة لفترات زمنية طويلة، حتى لا تتحول الحرائق إلى وسيلة للكسب غير المشروع.

ما وراء اللهب

حرائق الساحل ليست مجرد كوارث موسمية، بل قضية تمس الأمن البيئي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمن القومي.
فالغابات التي تحترق اليوم هي مخزون استراتيجي للماء والهواء والغذاء، وضمانة لسلامة الأجيال المقبلة.

ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل ستبقى هذه الحرائق مجرد “حدث موسمي” يُطوى بمرور الوقت، أم أنها ستدفع السلطات أخيراً لوضع خطة إنقاذ وطنية تحمي ما تبقى من غابات الساحل السوري قبل أن تتحول إلى رماد كامل؟

- Advertisement -

- Advertisement -